القرطبي

19

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لو استقاموا على الطريقة " التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفارا لوسعنا أرزاقهم مكرا بهم واستدراجا لهم حتى يفتتنوا بها ، فنعذبهم بها في الدنيا والآخرة . وهذا قول قاله الربيع ابن أنس وزيد بن أسلم وابنه والكلبي والثمالي ويمان بن رباب وابن كيسان وأبو مجلز ، واستدلوا بقوله تعالى : " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ " [ الانعام : 44 ] الآية . وقوله تعالى : " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة " [ الزخرف : 33 ] الآية ، والأول أشبه ، لان الطريقة معرفة بالألف واللام ، فالأوجب أن تكون طريقته طريقة الهدى ، ولأن الاستقامة لا تكون إلا مع الهدى . وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا ) قالوا : وما زهرة الدنيا ؟ قال : ( بركات الأرض . . ) وذكر الحديث . وقال عليه السلام : ( فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، وإنما أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا [ كما بسطت على من ( 1 ) قبلكم ] فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) . قوله تعالى : ( ومن يعرض عن ذكر ربه ) يعني القرآن ، قاله ابن زيد . وفي إعراضه عنه وجهان : أحدهما عن القبول ، إن قيل إنها في أهل الكفر . الثاني عن العمل ، إن قيل إنها في المؤمنين . وقيل : " ومن يعرض عن ذكر ربه " أي لم يشكر نعمه ( يسلكه عذابا صعدا ) قرأ الكوفيون وعياش عن أبي عمرو " يسلكه " بالياء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، لذكر اسم الله أولا فقال : " ومن يعرض عن ذكر ربه " . الباقون " نسلكه " بالنون . وروى عن مسلم بن جندب ضم النون وكسر اللام . وكذلك قرأ طلحة والأعرج وهما لغتان ، سلكه وأسلكه بمعنى ، أي ندخله . " عذابا صعدا " أي شاقا شديدا . قال ابن عباس : هو جبل ، في جهنم . [ الخدري : ( 2 ) ] كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت . وعن ابن عباس : أن المعنى مشقة من العذاب . وذلك معلوم في اللغة أن الصعد : المشقة ، تقول : تصعدني الامر : إذا شق عليك ، ومنه قول عمر : ما تصعدني شئ ما تصعدتني خطبة النكاح ، أي ما شق علي .

--> ( 1 ) الزيادة من صحيح الترمذي . ( 2 ) زيادة من ا ، ح ، ل .