القرطبي

170

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يسأل بعضهم بعضا . وقال الزجاج : أصل " عم " عن ما فأدغمت النون في الميم ، لأنها تشاركها في الغنة . والضمير في " يتساءلون " لقريش . وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : كانت قريش تجلس لما نزل القرآن فتتحدث فيما بينها فمنهم المصدق ومنهم المكذب به فنزلت " عم يتساءلون " ؟ وقيل : " عم " بمعنى : فيم يتشدد المشركون ويختصمون . قوله تعالى : ( عن النبأ العظيم ) أي يتساءلون " عن النبأ العظيم " فعن ليس تتعلق ب‍ " - يتساءلون " الذي في التلاوة ، لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام فيكون " عن النبأ العظيم " كقولك : كم مالك أثلاثون أم أربعون ؟ فوجب لما ذكرناه من امتناع تعلقه ب‍ " - يتساءلون " الذي في التلاوة ، وإنما يتعلق بيتساءلون آخر مضمر . وحسن ذلك لتقدم يتساءلون ، قاله المهدوي . وذكر بعض أهل العلم أن الاستفهام في قوله : " عن " مكرر إلا أنه مضمر ، كأنه قال عم يتساءلون أعن النبأ العظيم ؟ فعلى هذا يكون متصلا بالآية الأولى . و " النبأ العظيم " أي الخبر الكبير . ( الذي هم فيه مختلفون ) أي يخالف فيه بعضهم بعضا ، فيصدق واحد ويكذب آخر ، فروى أبو صالح عن ابن عباس قال : هو القرآن ، دليله قوله : " قل هو نبأ عظيم . أنتم عنه معرضون " فالقرآن نبأ وخبر وقصص ، وهو نبأ عظيم الشأن . وروى سعيد عن قتادة قال : هو البعث بعد الموت صار الناس فيه رجلين : مصدق ومكذب . وقيل : أمر النبي صلى الله عليه وسلم . وروي الضحاك عن ابن عباس قال : وذلك أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كثيرة ، فأخبره الله جل ثناؤه باختلافهم ، ثم هددهم فقال : " كلا سيعلمون " أي سيعلمون عاقبة القرآن ، أو سيعلمون البعث : أحق هو أم باطل . و " كلا " رد عليهم في إنكارهم البعث أو تكذيبهم القرآن ، فيوقف عليها . ويجوز أن يكون بمعنى حقا أو " ألا " فيبدأ بها . والأظهر أن سؤالهم إنما كان عن البعث ، قال بعض علمائنا : والذي يدل عليه قوله عز وجل : " إن يوم الفصل كان ميقاتا " [ النبأ : 17 ] يدل على أنهم كانوا يتساءلون عن البعث . ( ثم كلا سيعلمون ) أي حقا ليعلمن ( 1 ) صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ومما ذكره لهم من البعث بعد الموت . وقال الضحاك : " كلا

--> ( 1 ) في الأصول : ليعلمون . والفعل مؤكد بالنون الثقيلة بعد القسم .