القرطبي

13

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ومنعت عن الدنو من السماء . وقال نافع بن جبير : كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمى ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رميت بالشهب . ونحوه عن أبي بن كعب قال : لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بها . وقيل : كان ذلك قبل المبعث ، وإنما زادت بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنذارا بحاله ، وهو معنى قوله تعالى : " ملئت " أي زيد في حرسها ، وقال أوس بن حجر وهو جاهلي : فانقض كالدري يتبعه * نقع يثور تخاله طنبا وهذا قول الأكثرين . وقد أنكر الجاحظ هذا البيت وقال : كل شعر روي فيه فهو مصنوع ، وأن الرمي لم يكن قبل المبعث . والقول بالرمي أصح ، لقوله تعالى : " فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا " . وهذا إخبار عن الجن ، أنه ( 1 ) زيد في حرس السماء حتى امتلأت منها ومنهم ، ولما روى عن ابن عباس قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه إذ رمى بنجم ، فقال : [ ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية ] ؟ قالوا : كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ إنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته ، ولكن ربنا سبحانه وتعالى إذا قضى أمرا في السماء سبح حملة العرش ثم سبح أهل كل سماء ، حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ويخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه ، فتتخطف الجن فيرمون فما جاءوا به فهو حق ولكنهم يزيدون فيه ] . وهذا يدل على أن الرجم كان قبل المبعث . وروى الزهري نحوه عن علي بن الحسين عن علي بن أبي طالب عن ابن عباس . وفي آخره قيل للزهري : أكان يرمى في الجاهلية ؟ قال : نعم . قلت : أفرأيت قوله سبحانه : " وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا " قال : غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم . ونحوه قال القتبي . قال ابن قتيبة : كان ولكن اشتدت الحراسة بعد المبعث ، وكانوا من قبل يسترقون ويرمون في بعض الأحوال ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعت من ذلك أصلا . وقد تقدم بيان هذا في سورة " الصافات " ( 2 )

--> ( 1 ) في ط : ( وقد زيد ) . وفي ا ، ح : ( لقد زيد ) . ( 2 ) راجع ج 15 ص 65 .