القرطبي

110

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

في الدنيا . وقد مضى القول فيه ( 1 ) في موضعه مستوفى . وقال عطية العوفي : ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، ونظره يحيط بها ، يدل عليه : " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار " [ الانعام : 103 ] قال القشيري أبو نصر : وقيل : " إلى " واحد الآلاء : أي نعمه منتظرة وهذا أيضا باطل ، لان واحد الآلاء يكتب بالألف لا بالياء ، ثم الآلاء : نعمه الدفع ( 2 ) ، وهم في الجنة لا ينتظرون دفع نقمه عنهم ، والمنتظر للشئ متنغص العيش ، فلا يوصف أهل الجنة بذلك . وقيل : أضاف النظر إلى الوجه ، وهو كقوله تعالى : " تجري من تحتها الأنهار " [ المائدة : 119 ] والماء يجري في النهر لا النهر . ثم قد يذكر الوجه بمعنى العين ، قال الله تعالى : " فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا " [ يوسف : 93 ] أي على عينيه . ثم لا يبعد قلب العادة غدا ، حتى يخلق الرؤية والنظر في الوجه ، وهو كقوله تعالى : " أفمن يمشي مكبا على وجهه " [ الملك : 22 ] ، فقيل : يا رسول الله ! كيف يمشون في النار على وجوههم ؟ قال : [ الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ] . ( ووجوه يومئذ باسرة ) أي وجوه الكفار يوم القيامة كالحة كاسفة عابسة . وفي الصحاح : وبسر الفحل الناقة وابتسرها : إذا ضربها من غير ضبعة ( 3 ) . وبسر الرجل وجهه بسورا أي كلح ، يقال : عبس وبسر . وقال السدي : " باسرة " أي متغيرة والمعنى واحد . ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) أي توقن وتعلم ، والفاقرة : الداهية والامر العظيم ، يقال : فقرته الفاقرة : أي كسرت فقار ظهره . قال معناه مجاهد وغيره . وقال قتادة : الفاقرة الشر . السدي : الهلاك . ابن عباس وابن زيد : دخول النار . والمعنى متقارب وأصلها الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم ، قاله الأصمعي . يقال : فقرت أنف البعير : إذا حززته بحديدة ثم جعلت على موضع الحز الجرير ( 4 ) وعليه وتر ملوي ، لتذلله بذلك وتروضه ، ومنه قولهم : قد عمل به الفاقرة . وقال النابغة : أبى لي قبر لا يزال مقابلي * وضربة فأس فوق رأسي فاقره أي كاسرة .

--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 54 . ( 2 ) هكذا في كل الأصول . ( 3 ) ضبعت الناقة : اشتهت الفحل . ( 4 ) الجرير : حبل من أدم يخطم به البعير .