القرطبي
104
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لأنه لا يبان عضو المسلم إلا في مال عظيم . وبه قال أكثر الحنفية . ومن يعجب فيتعجب لقول الليث بن سعد : إنه لا يقبل في أقل من اثنين وسبعين درهما . فقيل له : ومن أين تقول ذلك ؟ قال : لان الله تعالى قال : " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين " ( 1 ) [ التوبة : 25 ] وغزواته وسراياه كانت اثنتين وسبعين . وهذا لا يصح ، لأنه أخرج حنينا منها ، وكان حقه أن يقول يقبل في أحد وسبعين ، وقد قال الله تعالى : " اذكروا الله ذكرا كثيرا " [ الأحزاب : 41 ] ، وقال : " لا خير في كثير من نجواهم " [ النساء : 114 ] ، وقال : " وألعنهم لعنا كبيرا " [ الأحزاب : 68 ] . الصورة السادسة - إذا قال له : عندي عشرة أو مائة أو ألف ، فإنه يفسرها بما شاء ويقبل منه ، فإن قال ألف درهم أو مائة وعبد أو مائة وخمسون درهما فإنه يفسر المبهم ويقبل منه . وبه قال الشافعي : وقال أبو حنيفة : إن عطف على العدد المبهم مكيلا أو موزونا كان تفسيرا ، كقوله : مائة وخمسون درهما ، لان الدرهم تفسير للخمسين ، والخمسين تفسير للمائة . وقال ابن خيران الإصطخري من أصحاب الشافعي : الدرهم لا يكون تفسيرا في المائة والخمسين إلا للخمسين خاصة ويفسر هو المائة بما شاء . المسألة الرابعة - قوله تعالى : " ولو ألقى معاذيره " ومعناه لو اعتذر بعد الاقرار لم يقبل منه . وقد اختلف العلماء فيمن رجع بعد ما أقر في الحدود التي هي خالص حق الله ، فقال أكثرهم منهم الشافعي وأبو حنيفة : يقبل رجوعه بعد الاقرار . وقال به مالك في أحد قوليه ، وقال في القول الآخر : لا يقبل إلا أن يذكر لرجوعه وجها صحيحا . والصحيح جواز الرجوع مطلقا ، لما روى الأئمة منهم البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رد المقر بالزنى مرارا أربعا كل مرة يعرض عنه ، ولما شهد على نفسه أربع مرات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( أبك جنون ) قال : لا . قال : ( أحصنت ) قال : نعم . وفي حديث البخاري : ( لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت ) . وفي النسائي وأبي داود : حتى قال له في الخامسة ( أجامعتها ) ( 2 ) قال : نعم . قال : ( حتى غاب ذلك منك في ذلك منها ) قال : نعم . قال : ( كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر ) . قال : نعم . ثم قال : ( هل تدري ما الزنى ) قال : نعم ، أتيت منها حراما مثل ما يأتي الرجل من أهله حلالا . قال : ( فما تريد مني ) ؟
--> ( 1 ) جملة ( ويوم حنين ) ساقطة من ز ، ط والمطبوع . ( 2 ) اللفظ في رواية لأبي داود .