القرطبي

100

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

عليه : يداه بما بطش بهما ، ورجلاه بما مشى عليهما ، وعيناه بما أبصر بهما . والبصيرة : الشاهد . وأنشد الفراء : كأن على ذي العقل عينا بصيرة * بمقعده أو منظر هو ناظره يحاذر حتى يحسب الناس كلهم * من الخوف لا تخفى عليهم سرائره ودليل هذا التأويل من التنزيل قوله تعالى : " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " ( 1 ) [ النور : 24 ] . وجاء تأنيث البصيرة لان المراد بالانسان ها هنا الجوارح ، لأنها شاهدة على نفس الانسان ، فكأنه قال : بل الجوارح على نفس الانسان بصيرة ، قال معناه القتبي وغيره . وناس يقولون : هذه الهاء في قوله : " بصيرة " هي التي يسميها أهل الاعراب هاء المبالغة ، كالهاء في قولهم : داهية وعلامة وراوية . وهو قول أبي عبيد . وقيل المراد بالبصيرة الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خير أو شر ، يدل عليه قوله تعالى : " ولو ألقى معاذيره " فيمن جعل المعاذير الستور . وهو قول السدي والضحاك . وقال بعض أهل التفسير : المعنى بل على الانسان من نفسه بصيرة ، أي شاهد فحذف حرف الجر . ويجوز أن يكون " بصيرة " نعتا لاسم مؤنث فيكون تقديره : بل الانسان على نفسه عين بصيرة ، وأنشد الفراء : * كأن على ذي العقل عينا بصيرة * وقال الحسن في قوله تعالى : " بل الانسان على نفسه بصيرة " يعني بصير بعيوب غيره ، جاهل بعيوب نفسه . ( ولو ألقى معاذيره ) أي ولو أرخى ستوره . والستر بلغة أهل اليمن : معذار ، قاله الضحاك وقال الشاعر : ولكنها ضنت بمنزل ساعة * علينا وأطت فوقها بالمعاذر قال الزجاج : المعاذر : الستور ، والواحد معذار ، أي وإن أرخى ستره ، يريد أن يخفى عمله ، فنفسه شاهدة عليه . وقيل : أي ولو أعتذر فقال لم أفعل شيئا ، لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه ، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه ، فعليه شاهد يكذب

--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 210 .