القرطبي

78

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لعملناه ، فلما نزل الجهاد كرهوه . وقال الكلبي : قال المؤمنون يا رسول الله ، لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لسارعنا إليها ، فنزلت " هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ( 1 ) " [ الصف : 10 ] فمكثوا زمانا يقولون : لو نعلم ما هي لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين ، فدلهم الله تعالى عليها بقول : " تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم " [ الصف : 11 ] الآية . فابتلوا يوم أحد ففروا ، فنزلت تعيرهم بترك الوفاء . وقال محمد بن كعب : لما أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بثواب شهداء بدر قالت الصحابة : اللهم أشهد ! لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا ، ففروا يوم أحد فعيرهم الله بذلك . وقال قتادة والضحاك : نزلت في قوم كانوا يقولون نحن جاهدنا وأبلينا ولم يفعلوا . وقال صهيب : كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر وأنكاهم فقتلته . فقال رجل يا نبي الله ، إني قتلت فلانا ، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . فقال عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف : يا صهيب ، أما أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك قتلت فلانا ! فإن فلانا انتحل قتله ، فأخبره فقال : ( أكذلك يا أبا يحيى ) ؟ قال نعم ، والله يا رسول الله ، فنزلت الآية في المنتحل . وقال ابن زيد : نزلت في المنافقين ، كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : إن خرجتم وقاتلتم خرجنا معكم وقاتلنا ، فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا . الثانية - هذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن يفي بها . وفي صحيح مسلم عن أبي ( 2 ) موسى أنه بعث إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن ، فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم . وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ب " براءة " فأنسيتها ، غير أني قد حفظت منها " لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب " . وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها ، غير أني

--> ( 1 ) راجع ص 87 من هذه السورة . ( 2 ) الذي في صحيح مسلم : حدثني سويد بن سعيد حدثنا على ابن مسحر ؟ عن داود عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال : بعث أبو موسى . . . الخ " .