القرطبي
48
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : هو الله الخلق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم 24 قوله تعالى : ( هو الله الخالق البارئ المصور ) " الخالق " هنا المقدر . و " البارئ " المنشئ المخترع . و " المصور " مصور الصور ومركبها على هيئات مختلفه . فالتصوير مرتب على الخلق والبراية ( 1 ) وتابع لهما . ومعنى التصوير التخطيط والتشكيل . وخلق الله الانسان في أرحام الأمهات ثلاث خلق : جعله علقة ، ثم مضغة ، ثم جعله صورة وهو التشكيل الذي يكون به صورة وهيئة يعرف بها ويتميز عن غيره بسمتها . فتبارك الله أحسن الخالقين . وقال النابغة : الخالق البارئ المصور في ال * أرحام ماء حتى يصير دما وقد جعل بعض الناس الخلق بمعنى التصوير ، وليس كذلك ، وإنما التصوير آخرا والتقدير أولا والبراية بينهما . ومنه قول الحق : " وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير " ( 2 ) [ المائدة : 110 ] . وقال زهير : ولأنت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري يقول : تقدم ما تقدر ثم تفريه ، أي تمضيه على وفق تقديرك ، وغيرك يقدر ما لا يتم له ولا يقع فيه مراده ، إما لقصوره في تصور تقديره أو لعجزه عن تمام مراده . وقد أتينا على هذا كله في " الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " والحمد لله . وعن حاطب ابن أبي بلتعة أنه قرأ " البارئ المصور " بفتح الواو ونصب الراء ، أي الذي يبرأ المصور ، أي يميز ما يصوره بتفاوت الهيئات . ذكره الزمخشري . ( له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) تقدم الكلام فيه ( 3 ) . وعن أبي هريرة قال : سألت خليلي أبا القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم فقال : ( يا أبا هريرة ،
--> ( 1 ) كذا في نسخ الأصل . والذي في كتب اللغة : " برأ الله الخلق برءا وبروءا " . ( 2 ) راجع ج 6 ص 362 . ( 3 ) راجع ج 1 ص 287 وج 2 ص 131 وج 10 ص 266