القرطبي
28
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ويتعرض للمسألة أولى من الايثار . وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل البيضة من الذهب فقال : هذه صدقة ، فرماه بها وقال : ( يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس ) . والله أعلم . التاسعة : - والايثار بالنفس فوق الايثار بالمال وإن عاد إلى النفس . ومن الأمثال السائرة : * والجود بالنفس أقصى غاية الجود ( 1 ) * ومن عبارات الصوفية الرشيقة في حد المحبة : أنها الايثار ، ألا ترى أن امرأة العزيز لما تناهت في حبها ليوسف عليه السلام ، آثرته على نفسها فقالت : أنا راودته عن نفسه . وأفضل الجود بالنفس الجوة على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي الصحيح أن أبا طلحة ترس على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتطلع ليرى القوم . فيقول له أبو طلحة : لا تشرف يا رسول الله ! لا يصيبونك ! نحري دون نحرك ووقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت . وقال حذيفة العدوي : انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي - ومعي شئ من الماء - وأنا أقول : إن كان به رمق سقيته ، فإذا أنا به ، فقلت له : أسقيك ، فأشار برأسه أن نعم فإذا أنا برجل يقول : آه ! آه ! فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه ، فإذا هو هشام بن العاص فقلت : أسقيك ؟ فأشار أن نعم . فسمع آخر يقول : آه ! آه ! فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات . فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات . فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات . وقال أبو يزيد البسطامي : ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ ! قدم علينا حاجا فقال لي : يا أبا يزيد ، ما حد الزهد عندكم ؟ فقلت : إن وجدنا أكلنا . وإن فقدنا صبرنا .
--> ( 1 ) هو من بيت لمسلم بن الوليد ، صدره : * تجود بالنفس إذ أنت الضنين بها * يقول : تجود بنفسك في الحرب إذ أنت الضنين بها في الذم . ويروى : * يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها *