القرطبي
229
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( فستبصر ويبصرون ) قال ابن عباس : معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة . وقيل : فسترى ويرون يوم القيامة حين يتبين الحق والباطل . ( بأيكم المفتون ) الباء زائدة ، أي فستبصر ويبصرون أيكم المفتون . أي الذي فتن بالجنون ، كقوله تعالى : " تنبت بالدهن " ( 1 ) [ المؤمنون : 20 ] و " يشرب بها عباد الله " ( 2 ) [ الانسان : 6 ] . وهذا قول قتادة وأبي عبيد والأخفش . وقال الراجز : نحن بنو جعدة أصحاب الفلج * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج ( 3 ) وقيل : الباء ليست بزائدة ، والمعنى : " بأيكم المفتون " أي الفتنة . وهو مصدر على وزن المفعول ، ويكون معناه الفتون ، كما قالوا : ما لفلان مجلود ولا معقول ، أي عقل ولا جلادة . وقاله الحسن والضحاك وابن عباس . وقال الراعي : حتى إذا لم يتركوا لعظامه * لحما ولا لفؤاده معقولا أي عقلا . وقيل في الكلام تقدير حذف مضاف ، والمعنى : بأيكم فتنة المفتون . وقال الفراء : الباء بمعنى في ، أي فستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون ، أبا لفرقة التي أنت فيها من المؤمنين أم بالفرقة الأخرى . والمفتون : المجنون الذي فتنه الشيطان . وقيل : المفتون المعذب . من قول العرب : فتنت الذهب بالنار إذا حميته . ومنه قوله تعالى : " يوم هم على النار يفتنون " ( 4 ) [ الذاريات : 13 ] أي يعذبون . ومعظم السورة نزلت في الوليد بن المغيرة وأبي جهل . وقيل : المفتون هو الشيطان ، لأنه مفتون في دينه . وكانوا يقولون : إن به شيطانا ، وعنوا بالمجنون هذا ، فقال الله تعالى : فسيعلمون غدا بأيهم المجنون ، أي الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل .
--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 114 . ( 2 ) راجع ج 19 ص 124 ( 3 ) الفلج ( بفتح الفاء واللام ) : مدينة بأرض اليمامة لبني جعدة . ويجوز فيه : * نحن بنى . . . * بالنصب على الاختصاص . ( راجع الشاهد التاسع والثمانين بعد السبعمائة في خزانة الأدب ) . ( 4 ) راجع ج 17 ص 31