الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

86

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الكثيفة وتصطدم لها تتحول إلى شعلة نارية ، ثم تصل إلى الأرض بصورة رماد ، وقد ذكرت الشهب كرارا في القرآن المجيد ، وأنها كالسهام ترمى صوب الشياطين الذين يريدون أن يسترقوا السمع من السماء ، وقد أوردنا بحوثا مفصلة حول كيفية إخراج الشياطين من السماء بالشهب ، وما يراد من استراق السمع ، وذلك في ذيل الآية ( 18 ) من سورة الحجر وما يليها ، وفي ذيل الآية ( 10 ) من سورة الصافات وما يليها . " رصد " على وزن حسد ، وهو التهيؤ لانتظار شئ ويعبر عنه ب‍ ( الكمين ) وتعني أحيانا اسم فاعل بمعنى الشخص أو الشئ الذي يكمن ، وهذا ما أريد به في هذه الآيات . ثم قالوا : وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا . أي مع كل هذا فإننا لا ندري أكان هذا المنع من استراق السمع دليل على مكيدة تراد بأهل الأرض ، أم أراد الله بذلك المنع أن يهديهم ، وبعبارة أخرى أننا لا ندري هل هذه هو مقدمة لنزول البلاء والعذاب من الله ، أم مقدمة لهدايتهم ، ولكن لا يخفى على مؤمني الجن أن المنع من استراق السمع الذي تزامن مع ظهور نبينا الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو مقدمة لهداية البشرية ، وانحلال جهاز الكهانة والخرافات الأخرى ، وليس هذا إلا انتهاء لعصر الظلام ، وابتداء عصر النور . ومع هذا ، فإن الجن ولعلاقتهم الخاصة بمسألة استراق السمع لم يكونوا يصدقون بما في ذلك المنع من خير وبركة ، وإلا فمن الواضح أن الكهنة في العصر الجاهلي كانوا يستغلون هذا العمل في تضليل الناس . والجدير بالذكر أن مؤمني الجن صرحوا بالفاعل لإرادة الهداية فنسبوه إلى الله ، وجعلوا فاعل الشر مجهولا ، وهذا إشارة إلى أن ما يأتي من الله فهو خير ، وما يصدر من الناس فهو الشر وفساد إذا ما أساءوا التصرف بالنعم الإلهية ، ثم إن