الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

64

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

تشير هذه الآية إلى أن رؤساء هؤلاء القوم يمتازون بكثرة الأموال والأولاد ، ولكنها لا تستخدم لخدمة الناس بل للفساد والعدوان ، ولا يخضعون لله تعالى ، وهذه الامتيازات الكثيرة سببت في طغيانهم وغيهم . وإذا ما نظرنا إلى تاريخ الإنسان لوجدنا أن الكثير من رؤساء القبائل هم من هذا القبيل ، من الذين يجمعون المال الحرام ، ولهم ذرية فاسدة ، ويفرضون في النهاية أفكارهم على المجتمعات المستضعفة ، ويكبلونهم بقيود الظلم . ثم يضيف في قوله تعالى : ومكروا مكرا كبارا . " كبار " صيغة مبالغة من الكبر ، وذكر بصيغة النكرة ، ويشير إلى أنهم كانوا يضعون خططا شيطانية واسعة لتضليل الناس ، ورفض دعوة نوح ( عليه السلام ) ، ومن المحتمل أن يكون عبادة الأصنام واحدة من هذه الخطط والأساليب ، وذلك طبقا للروايات التي تشير إلى عدم وجود عبادة الأصنام قبل عصر نوح ( عليه السلام ) وأن قوم نوح هم الذين أوجدوها ، وذكر أن في المدة الزمنية بين آدم ونوح ( عليهما السلام ) كان هناك أناس صالحون أحبهم الناس ، ولكن الشيطان " أو الأشخاص الشيطانيين " عمد إلى استغلال هذه العلاقة ، وترغبهم في صنع تماثيل أولئك الصالحين بحجة تقديسهم وإجلالهم ، وبعد مضي الزمن نسيت الأجيال هذه العلاقة التاريخية ، وتصورت أن هذه التماثل هي موجودات محترمة ونافعة يجب عبادتها ، وهكذا شغلوا بعبادة الأصنام ، وعمد الظالمون والمستكبرون إلى إغفال الناس وتكبيلهم بحبائل الغفلة ، وهكذا تحقق المكر الكبير . وتدل الآية الأخرى على هذا الأمر ، إذ أنها تضيف بعد الإشارة إلى خفاء هذا المكر في قوله تعالى : وقالوا لا تذرن آلهتكم . ولا تقبلوا دعوة نوح إلى الله الواحد ، وغير المحسوس ، وأكدوا بالخصوص على خمسة أصنام ، وقالوا : ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا .