الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
49
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إلى نوع من الاستعداد وصفاء القلب والتجاذب المتبادل فليس عجيبا أن يكون هنا أثر معاكس في القلوب الخاملة ، وبمعنى آخر أن أعداء الحق المعاندين عندما يستمعون لدعوة المؤمنين الرساليين يظهرون لهم المقاومة والإصرار على العناد ، وهذا ما يبعدهم عن الله بصورة أكثر ، ويقوي عندهم روح الكفر والنفاق . وهذا ما أشير إليه في سورة الإسراء ( 82 ) : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا . وما نقرأ كذلك في آيات هذا الكتاب السماوي أنه سبب لهداية المتقين : . . . هدى للمتقين . ( 1 ) ولهذا لابد أن يكون هناك مرحلة من التقوى في وجود الإنسان وإن كانت ضعيفة ، حتى يتهيأ لقبول الحق ، هذه المرحلة هي مرحلة ( الروح الباحثة عن الحقيقة ) والاستعداد لتقبل كلمات الحق . ثم إن نوحا ( عليه السلام ) يضيف : وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا . ولكي لا يسمعوا صوت الحق كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم ، ويلفون ثيابهم حول أنفسهم أو يضعونها على رؤوسهم لئلا تصل أمواج الصوت إلى أدمغتهم ! وربما كانوا يتقنعون لئلا تقع أعينهم على الهيئة الملكوتية لهذا النبي العظيم ، وفي الحقيقة كانوا يصرون على أن تتوقف الآذان عن السماع والعيون عن النظر ! وهذا في الواقع أمر مدهش أن يصل الإنسان إلى هذه المرحلة من العداوة للحق إلى حد لا يعطي لنفسه فرصة النظر والسماع والتفكر . وقد ورد في بعض التفاسير أن بعض أولئك المعاندين كان يذهب بابنه إلى نوح ( عليه السلام ) فيقول له : احذر هذا لا يغوينك ، فإن أبي قد جاء بي إليه وأنا صغير مثلك
--> 1 - البقرة ، 3 .