الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

480

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وبعد ذكر كل تلك العلائم لما قبل البعث ولما بعده ، تأتي النتيجة القاطعة : علمت نفس ما قدمت وأخرت . نعم ، فستتجلى حقائق الوجود ، وسيصير كل شئ بارز إنه " يوم البروز " وسيرى الإنسان كل أعماله محضرة بخيرها وشرها ، لأنه يوم إزالة الحجب ، ورفع مبررات الغرور والغفلة ، وعندها . . . سيعلم الإنسان ما قدم لآخرته ، وما ترك بعده من آثار حسنها وسيئها ، مثل : الصدقة الجارية ، فعل الخير ، عمارة الأبنية ، الكتب التي ألفها ، ما سن من السنن . . . فإن كان ما خلفه خالصا لله فسينال حسناته ، وإن كانت نية أفعاله غير خالصة لله فستصل إليه سيئات تبعاته . وهذه نماذج من الأعمال التي ستصل نتائجها إلى الإنسان بعد الموت ، وهو : المراد من " وأخرت " . صحيح أن الإنسان يعلم بما عمل في دنياه بصورة إجمالية ، لكن حب الذات والاشتغال بالشهوات والنسيان غالبا ما ينسيه ما قدمت يداه ، فيتغافل عن النظر إلى ما بد منه ، أما في ذلك اليوم الذي سيتحول ويتغير فيه كل شئ حتى روح الإنسان فسيلتفت إلى ما قام به من عمل بكل دقة وتفصيل ، كما تشير إلى ذلك الآية ( 30 ) من سورة آل عمران : يوم يجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء ، فكل سيرى كل أعماله حاضرة مجسمة أمام عينه . وقيل : " ما قدمت " ، إشارة إلى أعمال أول عمر الإنسان ، و " أخرت " ، إشارة إلى أعمال آخر عمره . ويبدو أن التفسير الأول أنسب من جميع الجهات . ويراد ب‍ " نفس " الواردة بالآية ، كل نفس إنسانية . * * *