الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
470
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الآية التالية ولتقول : وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين والآيتان السابقتان تبينان فلسفة " أمر بين الأمرين " التي أشار إليها الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، فمن جهة ، إن الإرادة والقرار بيدكم ، ومن جهة أخرى ، يلزم تلك الإرادة وذلك القرارة ما يشاء الله رب العالمين . . . وإن خلقتم أحرارا مختارين ، فالحرية والاختيار منه جل اسمه ، ولولا إرادته ذلك لما كان . فالإنسان ليس بمجبور على أعماله مطلقا ، ولا هو بمختار بكل معنى الاختيار ، ولكن . . . كما روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " لا جبر ولا تفويض الأمر بين الامرين " ، فكل ما للإنسان من : عقل ، فهم قدرة بدنية ، وقدرة على اتخاذ القرار ، كل ذلك من الله عز وجل ، فهو من جهة في حالة الحاجة الدائمة للاتصال به جل شأنه ، ولو شاء الله لتوقف كل شئ وانتهى ، وهو من جهة أخرى مسؤول عن أعماله لما له من حرية واختيار على تنفيذها . ويفهم من " رب العالمين " ، إن المشيئة الإلهية تقضي بهداية وتكامل الإنسان وكل الموجودات ، فالله لا يريد أن يضل أو يذنب أحد من الخلق ، بل يريد أن يسعد كل الخلق في جوار رحمته ورضوانه ، وبمقتضى ربوبيته فهو الموفق والمعين لكل من يريد أن يسلك طريق التكامل . والخطأ القاتل الذي وقع فيه المتجبرة ، إنهم تمسكوا بالآية الثانية دون الأولى وربما كان المفوضة قد تمسكوا بالآية الأولى مفصولة عن الآية الثانية لها . . والفصل فيما بين آيات القرآن كثيرا ما يوقع في هاوية الضلال والخروج بنتائج خاطئة باطلة ، وينبغي التعامل مع الآيات القرآنية على كونها كل مترابط ، لا آيات فرادى . وقيل : إنه لما نزل قوله تعالى : لمن يشاء منكم أن يستقيم ، قال أبو جهل : جعل الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم ، فأنزل الله تعالى : وما