الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
46
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
منذرين تارة ومبشرين تارة أخرى ، كما يتم الاعتماد في سائر الدنيا على التحذيرات والعقوبات لضمان تطبيق القوانين . نوح ( عليه السلام ) الذي كان هو من أولي العزم ، وصاحب أول شريعة إلهية ، وله دعوة عالمية ، جاء إلى قومه بعد صدور هذا الأمر إليه قال : قال يا قوم إني لكم نذير مبين . الهدف هو أن تعبدوا الله الذي لا إله إلا هو ، وتتركوا من دونه ، وتتقوا وتطيعوا أمري الذي هو أمر الله : أن اعبدوا الله واتقوا وأطيعون . في الحقيقة أن نوحا ( عليه السلام ) قد لخص مضمون دعوته في ثلاث جمل : عبادة الله الواحد ، والحفاظ على التقوى ، وطاعة القوانين والأوامر التي جاء بها من عند الله والتي تمثل مجموعة من العقائد والأخلاق والأحكام . ثم ذكر النتائج المهمة المترتبة على استجابتهم الدعوة في جملتين لترغيبهم فقال : يغفر لكم من ذنوبكم . ( 1 ) في الحقيقة أن القاعدة المعروفة " الاسلام يجب ما قبله " هي قانون موجود في كل الأديان الإلهية والتوحيدية وليست منحصرة بالإسلام . ثم يضيف : ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ، يستفاد جيدا من هذا الآية أن " الأجل " وموعد عمر الإنسان قسمان ، هما : الأجل المسمى ، والأجل النهائي ، أو بعبارة أخرى الأجل الأدنى ، والأجل الأقصى أو الأجل المعلق ، والأجل الحتمي ، القسم الأول للأجل قابل للتغير والتبديل ، فقد يتدنى ويقل عمر الفرد كثيرا بسبب الذنوب والأعمال السيئة
--> 1 - " من " في هذه الجملة زائدة وللتأكيد ، لأن الإيمان بالله يبعث على غفران جميع الذنوب السابقة ، هذا ما يرتبط بحق الناس ، وأما من باب الذنوب وحكم الحرمة أيضا يكون مشمولا بالمغفرة ، وما احتمل بعض المفسرين ( كالفخر الرازي في التفسير الكبير والعلامة الطباطبائي ( قدس سره ) في الميزان ) من أن ( من ) هنا تبعيضية وهي تخص الذنوب السابقة لا الآتية يبدو بعيدا ، لأن الذنوب الآتية غير مذكورة في سياق الآية .