الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

363

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وكل ما ذكر مبني على إهمال مسألة حضور وتجسم الأعمال في يوم القيامة ، ومعه ينتفي أي دور للتأويلات المذكورة . وبنظرة إلى الآيات القرآنية والروايات والأحاديث الشريفة يتبين لنا أن أعمال الإنسان تتجسم في هذا اليوم بصورة معينة ، وتظهر للإنسان فينظر إليها على حقيقتها فيسر ويفرح عند رؤيته لأعماله الصالحة ، ويتألم ويتحسر عن رؤيته لأعماله السيئة . وأساسا فإن تجسم الأعمال ومرافقتها للإنسان من أفضل المكافآت للمطيعين وأشد عقوبة للعاصين . كما نجد في الآية ( 49 ) من وسورة الكهف : ووجدوا ما عملوا حاضرا ، وكذا في آخر سورة الزلزال : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . في جملة " ما قدمت يداه " تغليب ، لأن كل إنسان يؤدي أعماله غالبا بيديه ، ولكنه لا يعني الحصر ، بل يشمل جميع ما ارتكبته الجوارح من لسان وعين واذن ، في الحياة الدنيا . وينبه القرآن الناس قبل تحقق ذلك اليوم : ولتنظر نفس ما قدمت لغد ( 1 ) . وعلى أية حال ، فحينما يرى الكفار أعمالهم مجسمة أمامهم سيهالهم الموقف وتصيبهم الحسرة والندامة ، حتى يقولون يا ليتنا لم نتجاوز منذ البداية مرحلة التراب في خلقنا ، وعندما خلقنا في الدنيا ، ثم متنا وتحولنا إلى التراب ، فيا ليتنا بقينا على تلك الحال ولم نبعث من جديد ! فهم يعلمون بأن التراب بات خيرا منهم ، لأنه : تغرس به حبة واحدة فيعطي سنابلا ، وهو مصدر غني للمواد الغذائية والمعدنية والبركات الأخرى ، مهد لحياة

--> 1 - الحشر ، 18 .