الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

336

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وبعد ذكر نعمة النور والحرارة يتناول القرآن نعمة حياتية أخرى لها ارتباط بأشعة الشمس ، ويقول : وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا . " المعصرات " : جمع " معصر " ، من العصر بمعنى الضغط . . والكلمة تشير إلى أن الغيوم تقوم بعملية وكأنها تعصر نفسها عصرا لكي ينهمر منها الماء على شكل أمطار ( 1 ) ( ينبغي ملاحظة أن " المعصرات " جاءت بصيغة اسم فاعل ) . وفسرها بعضهم بالغيوم المستعدة لإنزال الأمطار ، باعتبار أن اسم الفاعل يأتي في بعض الأحيان بمعنى الاستعداد للقيام بعمل ما . وقال بعض آخر : إن " المعصرات " ليست صفة للغيوم ، وإنما للرياح التي تقوم بضغط وعصر الغيوم . " الثجاج " : من الثج ، بمعنى سيلان الماء بكمية كبيرة ، و " ثجاج " صيغة مبالغة ، ويراد بها هنا غزارة الأمطار المنهمرة نتيجة العصر الحاصل للغيوم . وبالإضافة لكون المطر منبعا لكثير من مصادر الخير والبركة ، فهو : ملطف للجو ، مزيل للتلوثات الموجودة في الجو ، مخفض للحرارة ومعدل للبرودة ، مقلل لأسباب الأمراض ، يمنح الإنسان روحا متجددة ونشاطا ، ومع كل ذلك . . فقد ذكر القرآن ثلاث فوائد أخرى له : لنخرج به حبا ونباتا . وجنات ألفافا . يقول الراغب في مفرداته : " ألفافا " : أي التف بعضها ببعض لكثرة الشجر ( 2 ) . والآيتان تشيران إلى ما يستفيد منه الإنسان والحيوان من المواد الغذائية التي تخرج من الأرض ، فالحبوب الغذائية تشكل قسما مهما من المواد الغذائية

--> 1 - يقول بعض العلماء : إن الغيوم حين تتراكم تخضع لنظام معين ، حيث تقوم بعصر نفسها فتتساقط قطرات الأمطار منها ، وهذا في واقعه يكشف عن إحدى المعاجز العلمية للقرآن في استعماله لهذا التعبير ( راجع كتاب - الهواء والأمطار ) . 2 - ( ألفاف ) : جمع لفيف - كما يقول كثير من أهل اللغة والتفسير - . وقال بعضهم : جمع لف ( بضم اللام ) . وقال بعض آخر : جمع لف ( بكسر اللام ) . وقال آخرون : هي جمع لا مفرد له . . ولكن المشهور هو القول الأول .