الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

332

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وتضيف الآية التالية مباشرة : وجعلنا النهار معاشا ( 1 ) . الآيتان تفندان جهل الثنويون بأسرار الخلق ، حيث يقولون : إن النور والنهار نعمة ، والظلام والليل شر وعذاب ، ويجعلون لكل منهما خالق ( إله الخير وإله الشر ) . . وبقليل من التأمل نجد أن كلا منهما يمثل نعمة إلهية معطاءة ، حيث تنبع منها نعم أخرى . وشبهت الآية الليل باللباس والغطاء الذي يلقى على الأرض ليشمل كل من على الأرض ، وليجبر فعاليات الموجودات الحية المتعبة على الأرض بالتعطل عن الحركة وممارسة النشاطات ، ويخيم الظلام والسكون ليضفي على الأرض الهدوء ليستريح الناس من رحلة العمل والمعاناة خلال النهار ، وليتمكنوا من مواصلة نشاطهم لليوم التالي لأن النوم المريح لا يتيسر للانسان إلا في أجواء مظلمة . وبالإضافة لكل ما ذكر ، فحلول الليل يعني زوال نور الشمس وإلا لانعدمت الحياة واحترقت جميع النباتات والحيوانات في حال استمرار شروق الشمس . ولذا نجد القرآن الكريم يؤكد على هذه الحقيقة ، فتارة يقول : قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه ( 2 ) . وتأتي الآية التالية لتقول : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ( 3 ) ويلاحظ في القرآن الكريم أنه قد أقسم بأمور كثيرة ، ولكن قسمه لا يتعدى المرة الواحدة لكل ما قسم به ، ما عدا الليل فقد جاء القسم به سبع مرات ! ولما كان القسم بشئ دليل على أهميته ، فهذا

--> 1 - " المعاش " : إما أن يكون اسم زمان أو اسم مكان ، بمعنى زمان ومكان الحياة . . ويمكن أن يكون مصدرا ميميا ، فيكون له محذوف ، والتقدير : ( سببا لمعاشكم ) . والمعاش : من العيش ، أي الحياة ، إلا أن تعبير الحياة يمكن إطلاقه على الباري عز وجل والملائكة ، فيما تختص كلمة العيش بحياة الإنسان والحيوان . 2 - القصص ، الآية 72 . 3 - القصص ، الآية 73 .