الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
321
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والجواب : أن المشركين لا يقطعون في إنكارهم للمعاد بشكل جازم ، والكثير منهم يعتقدون بصورة إجمالية ببقاء الروح بعد البدن ، وهو ما يسمى ب ( المعاد الروحاني ) . أما بخصوص ( المعاد الجسماني ) ، فالمشركون ليسوا على وتيرة واحدة في إنكاره ، فهناك من يظهر الشك والتردد ، كما تشير إلى ذلك الآية ( 66 ) من سورة النحل . . وهناك من ينكر المعاد الجسماني بشدة حتى دفعهم جهلهم وعنادهم لأن ينعتوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( والعياذ بالله ) بالجنون لقوله بالمعاد الجسماني ، وقد عرفوه تارة أخرى بالكاذب على الله ! كما أخبرت بذلك سورة سبأ في الآيتين ( 7 و 8 ) . . وعليه ، فاختلاف المشركين في " المعاد " أمر واقع ولا يمكن إنكاره . ويضيف القرآن قائلا : كلا سيعلمون ( 1 ) ، فليس الأمر كما يقولون أو يظنون . ويجدد التأكيد : ثم كلا سيعلمون . فسيعلمون في ذلك اليوم الواقع حتما : أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ( 2 ) ، يوم ينهال العذاب الإلهي على الكافرين فيقولون بصرخات مستغيثة : هل إلى مرد من سبيل ( 3 ) . بل وإن طلب العودة إلى الحياة لجبران خطيئاتهم سيطرح في أولى لحظات الموت ، حين تزال الحجب عن عين الإنسان فيرى بأم عينيه حقيقة عالم الآخرة ، فيستيقن حياة البرزخ والمعاد ، ولا يبقى عنده إلا أن يقول : رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ( 4 ) .
--> 1 - المعروف بين أوساط علماء اللغة بأن " كلا " حرف ردع ، ولكن ثمة من قال باستعمالات أخرى لهذا الحرف ولكنها نادرة ، وهي : أ - حرف تأكيد . ب - بمعنى ( ألا ) الاستفتاحية . ج - حرف جواب بمنزلة ( نعم ) . ( راجع مجمع البحرين وكنب اللغة ) . 2 - الزمر ، الآية 6 . 3 - الشورى ، الآية 44 . 4 - المؤمنون ، 99 - 100 .