الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

308

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

هذه النعم ، أم أنه أمر من الله تعالى ؟ ولكن يجب أن يلاحظ أن مثل هذه الأوامر التي تقال عند الاستقبال هو نوع من الطلب للشخص المضيف ، وأنها تقال لتعظيم الضيوف واحترامهم ، والمضيف يحب أن يؤكل طعامه أكثر لإكرام ضيفه أكثر . ثم تؤكد الآية الأخرى على مسألة النعم وأنها لا تمنح اعتباطا فيضيف : إنا كذلك نجزي المحسنين . الظريف أن في الآية الأولى تأكيد على " التقوى " ، وفي الآية التي تليها تأكيد على " العمل " ، وأما في هذه الآية فقد أكد على " الإحسان " . ( التقوى ) : هي اتقاء واجتناب الذنوب والفساد والشرك والكفر ، و " الإحسان " هو أداء كل عمل حسن ، و " العمل " يتعلق بالأعمال الصالحة ، ليتضح أن منهج النعم الإلهية مرتبط بهذه الجماعة فقط ، وليس بمن يدعي الإيمان الكاذب ، والملوثين بأنواع الفساد ، وإن كانوا في الظاهر من أهل الإيمان . وفي نهاية هذا المقطع يعيد تلك الآية : ويل يومئذ للمكذبين الويل لمن يحرم من كل هذه النعم والألطاف ، إذ أن عذاب حسرات هذا الحرمان ليس بأقل من نيران الجحيم المحرقة ! وبما أن إحدى عوامل إنكار المعاد الاهتمام بلذات الدنيا الزائلة والميل إلى الحرية المطلقة للانتفاع بهذه اللذات ، ويتوجه بالحديث في الآية التالية إلى المجرمين بلحن تهديدي فيقول : كلوا وتمتعوا بالملذات الدنيوية في هذه الأيام القلائل ، ولكن اعلموا أن العذاب الإلهي ينتظركم ، لأنكم مجرمون : كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون . وقد يكون التعبير ب‍ ( قليلا ) إشارة إلى مدة عمر الإنسان القصيرة في الدنيا ، وكذا المواهب الدنيوية التافهة مقابل النعم الأخروية اللامتناهية ، إلا أن بعض المفسرين يرى أن هذا الخطاب هو للمجرمين في الآخرة ، ولكن الالتفات إلى أن الآخرة ليس فيها متع من مواهب الحياة للمجرمين ليتمتعوا بها ، فينبغي القول بأن