الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

302

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والوهمية ، نعم ، إن ذلك الدخان المظلم تجسيد لظلمات الشهوات . ثم يضيف وصفا آخر لتلك النار المحرقة : إنها ترمي بشرر كالقصر ( 1 ) ليس كشرر نار هذه الدنيا التي لا تكون أحيانا إلا بمقدار رأس الإبرة ، التعبير ب‍ " القصر " هنا تعبير ملئ بالمعنى ، وربما يتوهم أحد أنه لو قيل شرر كالجبل كان أنسب ، ولكن لا ينبغي نسيان أن الجبال كما أشير إليها في الآيات السابقة هي أساس أنواع البركات وعيون المياه العذبة والسائغة ، ولكن قصور الظالمين هي التي تكون منشأ للنيران المحرقة والشرر المتطاير منها ( 2 ) . ثم ينتهي في الآية الأخرى إلى وصف آخر من أوصاف هذه النار المحرقة ، فيقول تعالى : كأنه جمالت صفر ( 3 ) . " جماله " : جمع " جمل " ، وهو البعير ( مثل الحجر والحجارة ) و " صفر " - على وزن قفل - جمع أصفر ويطلق أحيانا على اللون الداكن المائل إلى الأسود ، ولكن الأول يبدو أنسب ، لأن شرر النار يكون أصفر مائلا إلى الحمرة ، وفي الآية السابقة شبه حجم الشرر بالقصر الكبير ، وفي هذه الآية من حيث الكثرة واللون والسرعة والحركة والتفرق لجميع الجهات شبهها بمجموعة من الجمال الصفر المتجهة إلى كل صوب . وإذا كان الشرر هكذا ، فكيف بنفس النار المحرقة ، وما جعل من العذاب الأليم في تلك النار ؟ ! ويعود مرة أخرى في آخر قسم من الآيات لينبه بذلك التنبيه المكرر ، فيقول :

--> 1 - ( شرر ) : على وزن ( ضرر ) جمع شرارة ، وهو ما يتطاير من النار ، وأخذت من مادة ( الشر ) . 2 - نقل بعض المفسرين كالفخر الرازي عن ابن عباس في تفسير " القصر " فقال : أعواد في الصحراء كانوا يقطعونها ثم يجمعوها ويضعوها فوق بعض للشتاء ( لا يستبعد هذا التفسير أيضا وذلك لما كانوا يشبهون الأعواد المجموعة والمتراصة بالقصر العالي ) . 3 - لعل ضمير ( كان ) يعود على ( قصر ) أو إلى ( الشرر ) وبما أن ( شرر ) بصيغة الجمع فلا يمكن ذلك من دون تأويل إلا أن نجعل ( شرر ) اسم جمع .