الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

281

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الإلهية ، إذ يمكن سلبها متى يشاء ليتسنى للعباد تحمل ثقل المسؤولية الذي يعتبر رمزا للتكامل من جهة ، ومن جهة أخرى أن لا يتوهموا استغنائهم عن الله تعالى . والخلاصة ، أن هذه الآية تدعو الانسان إلى أن لا يتوهم أنه مستغن عن رعاية الله وتوفيقه . وفي نفس الوقت تؤكد حريته في أعماله وسلوكه . ويتضح هنا أن تمسك بعض المفسرين القائلين بالجبر كالفخر الرازي بهذه الآية بسبب الخلفيات الذهنية المسبقة في هذه المسألة ، فيقول : واعلم أن هذه الآية من جملة الآيات التي تلاطمت فيها أمواج الجبر والقدر ! ( 1 ) نعم ، إذا فصلنا هذه الآية عن الآيات السابقة فهناك محل لهذا الوهم . ولكن بالالتفات إلى ما ورد من تأثير الاختيار في آية ، وفي آية أخرى تأثير المشيئة الإلهية ، يتضح بصورة جيدة مفهوم ( الأمر بين الأمرين ) . وعجيب أن أنصار التفويض يتمسكون بتلك الآية التي تتحدث عن الاختيار المطلق فقط ، وأنصار الجبرية يتمسكون بالآية التي تشير إلى الجبر فقط ، ويريد كل منهما تبرير أحكامهم المسبقة بتلك الآية ، والحال أن الفهم الصحيح للكلام الإلهي ( أو أي كلام آخر ) يستوجب ضم الآيات جنبا إلى جنب ، وترك التعصب والقضاء بالأحكام المسبقة . ولعل آخر الآية : إن الله كان عليما حكيما . يشير حكمه إلى هذا المعنى ، لأن حكمة الله تستوجب إعطاء الحرية للعباد في سلوك طريق التكامل ، وإلا فإن التكامل الإجباري لا يعد تكاملا ، بالإضافة إلى أن حكمة الله لا تتفق مع فرض الأعمال الخيرة على أناس وفرض الأعمال الشريرة على أناس آخرين ، ثم أنه يثيب الجماعة الأولى ويعاقب الثانية . ثم تشير الآية الأخرى بعد ذلك إلى مصير الصالحين والطالحين في جملة

--> 1 - تفسير الفخر الرازي ج 30 ص 262 .