الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
271
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
مراحل التكامل حتى يوصله إلى المرحلة الأخيرة التي يريدها له ، ثم تتجلى ربوبيته إلى أعلى المراتب والحدود فيسقي بيده عباده الأبرار بالشراب الطهور . ومن جهة أخرى فإن " الطهور " هو الطاهر والمطهر ، وعلى هذا فإن هذا الشراب يطهر جسم الإنسان وروحه من كل الأدران والنجاسات ويهبه من الروحانية والنورانية والنشاط ما لا يوصف بوصف : حتى ورد في حديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : " يطهرهم عن كل شئ سوى الله " ( 1 ) . إن هذا الماء الطهور أفضل من أية نعمة وأعلى من كل موهبة ، إذ أنه يمزق ستار الغفلة ، ويزيل الحجب ، ويجعل الإنسان أهلا للحضور الدائم في جوار القرب من الله تعالى ، فإذا كان شراب الدنيا يزيل العقل ويبعد الإنسان عن الله ، فإن الشراب الطهور يعطى من يد ساقي الجنة ، فيجرد الإنسان عن ما سوى الله ، ليغرق في جماله وجلاله ، وهذا أفضل ما ذكره الله تعالى من النعيم الخفي الموهوب في الجنة ، ففي حديث روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) حول عين الشراب الطهور المستقرة عند باب الجنة قال : " فيسقون منها شربة فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد ! . . . وذلك قول الله عز وجل وسقاهم ربهم شرابا طهورا ( 2 ) . والظريف في عبارة طهور أنها لم ترد في القرآن إلا في موردين : أحدهما في مورد المطر ( الفرقان 48 ) الذي يطهر كل شئ ويحيي البلاد الميتة ، والآخر في مورد الآية التي نحن بصدد بحثها ، وهو الشراب الخاص بأهل الجنة . وفي آخر آية من آيات البحث يتحدث حديثا أخيرا في هذا الإطار فيقول : إنه يقال لهم من قبل رب العزة بأن هذه النعم العظيمة ما هي إلا جزاء أعمالكم في الدنيا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا . لئلا يتصور أحد أن هذا الجزاء وهذه المواهب العظيمة تعطى من دون مقابل ، إن كل ذلك جزاء السعي
--> 1 - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 411 . 2 - نور الثقلين ، ج 5 ، ص 485 ذيل الحديث 60 .