الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

247

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

هذه النعمة ، وأما من خالف فقد كفرها . وبما أن الإنسان لا يتمكن من تحقيق الشكر الحقيقي ، فقد عبر عن الشكر باسم الفاعل ، والحال أن الكفران جاء بصيغة المبالغة فقال : ( كفور ) ، لأن عدم اهتمامهم بهذه النعم الكبيرة يعتبر كفرانا شديدا منهم باعتبار أن الله عز وجل وضع وسائل الهداية تحت تصرفهم ، ولذا فإن إهمال هذه الوسائل والمواهب والغض عنها واتخاذ السبيل المنافي لها يعتبر كفرانا شديدا . والجدير بالذكر أن كلمة ( كفور ) تستعمل لكفران النعمة ، وكذلك للكفر الاعتقادي ، وهو ما أورده الراغب في مفرداته . وأشارت الآية الأخيرة من آيات البحث إشارة قصيرة وغنية بالمعنى إلى الذين سلكوا طريق الكفر والكفران فتقول : إنا اعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا . التعبير ب‍ ( اعتدنا ) تأكيد على حتمية مجازاة هذه الثلة ، وبالرغم من أن تهيئة الشئ مسبقا هو عمل من له قدرة محدودة ويحتمل أن يعجز بعد ذلك من إنجاز العمل ، ولكن هذا المعنى لا يصدق على الله تعالى ، لأنه إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون ، وفي الوقت نفسه يبين للكافرين أن هذه العقوبات حتمية ووسائلها جاهزة . " سلاسل " : جمع ( سلسلة ) ، وهي القيد الذي يقاد به المجرم ، و " الأغلال " جمع غل ، وهي الحلقة التي توضع حول العنق أو اليدين وبعد ذلك يقفل بالقيد ( 1 ) . على كل حال فإن ذكر الأغلال والسلاسل ولهيب النيران المحرقة تبيان للعقوبات التي يعاقب بها المجرمون ، وهو ما أشير إليه في كثير من آيات القرآن ويشمل ذلك العذاب والذل ، إن إطلاقهم لعنان الشهوات يسبب في تعاستهم في

--> 1 - وضحنا شرحا مفصلا حول معنى الأغلال في ذيل الآية ( 8 ) من سورة يس .