الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

220

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المعاد ، بل إن حبكم الشديد للدنيا والشهوات والميول المغرية هي التي تدفعكم إلى رفع الموانع عن طريق ملذاتكم ، وبما أن المعاد والشريعة الإلهية توجد موانع وحدودا كثيرة على هذا الطريق ، لذا تتمسكون بإنكار أصل الموضوع ، وتتركون الآخرة بتمامها . وكما ذكرنا سابقا أن إحدى العلل المهمة للميول إلى المادية وإنكار المبدأ والمعاد هو كسب الحرية المطلقة للانجراف وراء الشهوات واللذات والذنوب ، ولا ينحصر هذا في العهود السابقة ، بل يتجلى هذا المعنى في عالم اليوم بصورة أوضح . وهاتان الآيتان تؤكدان ما ورد في الآيات السابقة والتي قال فيها تعالى شأنه : بل يريد الإنسان ليفجر أمامه وقال أيضا : يسأل أيان يوم القيامة . ثم ينتهي إلى تبيان أحوال المؤمنين الصالحين والكفار المسيئين في ذلك اليوم ، فيقول تعالى : وجوه يومئذ ناضرة . " ناضرة " : من مادة ( نضرة ) وتعني البهجة الخاصة التي يحصل عليها الإنسان عند وفور النعمة والرفاه ، ووفورها يلازم السرور والجمال والنورانية ، أي أن لون محياهم تحكي عن أحوالهم ، كيف أنهم أغرقوا في النعم الإلهية ، وهذا شبيه لما جاء في الآية ( 24 ) من سورة المطففين : تعرف في وجوههم نضرة النعيم . هذا من ناحية العطايا المادية ، وأما عن العطايا الروحية فيقول تعالى : إلى ربها ناظرة نظرة بعين القلب وعن طريق شهود الباطن ، نظرة تجذبهم إلى الذات الفريدة وإلى ذلك الكمال والجمال المطلقين ، وتهبهم اللذة الروحانية والحال الذي لا يوصف ، إذ أن لحظة منها أفضل من الدنيا وما فيها . والجدير بالذكر أن تقديم ( إلى ربها ) على ( ناظرة ) تفيد الحصر ، أي ناظرة إلى الله فقط لا إلى غيره .