القرطبي

258

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

إليه . قال : فلا تبك فإنه كان في علم الله أن يكون ، ألم تسمع قوله تعالى : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ) الآية . وقال ابن عباس : لما خلق الله القلم قال له اكتب ، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة . ولقد ترك لهذه الآية جماعة من الفضلاء الدواء في أمراضهم فلم يستعملوه ثقة بربهم وتوكلا عليه ، وقالوا قد علم الله أيام المرض وأيام الصحة ، فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا ، قال الله تعالى : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) . وقد قيل : إن هذه الآية تتصل بما قبل ، وهو أن الله سبحانه هون عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتل وجرح ، وبين أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال وما يقع فيها من خسران ، فالكل مكتوب مقدر لا مدفع له ، وإنما على المرء امتثال الامر ، ثم أدبهم فقال هذا : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ) أي حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق ، وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فرغ منه لم يأسوا على ما فاتهم منه . وعن ابن مسعود أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يجد أحدكم طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ) ثم قرأ ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ) إي كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم ( ولا تفرحوا بما آتاكم ) أي من الدنيا ، قاله ابن عباس . وقال سعيد بن جبير : من العافية والخصب . وروى عكرمة عن ابن عباس : ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح ، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا ، وغنيمته شكرا . والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى مالا يجوز ، قال الله تعالى : ( والله لا يحب كل مختال ( 1 ) فخور ) أي متكبر بما أوتى من الدنيا ، فخور به على الناس . وقراءة العامة ( آتاكم ) بمد الألف أي أعطاكم من الدنيا . وأختاره أبو حاتم . وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو ( أتاكم ) بقصر الألف واختاره أبو عبيد . أي جاءكم ، وهو معادل ل ( فاتكم ) ولهذا لم يقل أفاتكم . قال جعفر بن محمد الصادق : يا بن آدم مالك تأسى على مفقود لا يرده عليك الفوت ، أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت . وقيل لبرز جمهر : أيها الحكيم ! مالك لا تحزن على ما فات ،

--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 69 .