القرطبي

224

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : يدل على هذا قراءة الحسن ( فلا أقسم ) وما أقسم به سبحانه من مخلوقاته في غير موضع من كتابه . وقال ابن عباس : المراد بمواقع النجوم نزول القرآن نجوما ، أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة الكاتبين ، فنجمه السفرة على جبريل عشرين ليلة ، ونجمه جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام عشرين سنة ، فهو ينزله على الاحداث من أمته ، حكاه الماوردي عن ابن عباس والسدي . وقال أبو بكر الأنباري : حدثنا إسماعيل ابن إسحاق القاضي حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا همام عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : نزل القرآن إلى سماء الدنيا جملة واحدة ، ثم نزل إلى الأرضي نجوما ، وفرق بعد ذلك خمس آيات خمس آيات وأقل وأكثر ، فذلك قول الله تعالى : ( فلا أقسم بمواقع النجوم . وإنه لقسم لو تعلمون عظيم . انه لقرآن كريم ) . وحكى الفراء عن ابن مسعود أن مواقع النجوم هو محكم القرآن . وقرأ حمزة والكسائي ( بموقع ) على التوحيد ، وهي قراءة عبد الله ابن مسعود والنخعي والأعمش وابن محيصن ورويس عن يعقوب . الباقون على الجمع ، فمن أفرد فلانه اسم جنس يؤدي الواحد فيه عن الجمع ، ومن جمع فلاختلاف أنواعه . الثالثة - قوله تعالى : ( انه لقرآن كريم ) قيل : إن الهاء تعود على القرآن ، أي إن القرآن لقسم عظيم ، قال ابن عباس وغيره . وقيل : ما أقسم الله به عظيم ( إنه لقرآن كريم ) ذكر المقسم عليه ، أي أقسم بمواقع النجوم إن هذا القرآن قرآن كريم ، ليس بسحر ولا كهانة ، وليس بمفترى ، بل هو قرآن كريم محمود ، جعله الله تعالى معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وهو كريم على المؤمنين ، لأنه كلام ربهم ، وشفاء صدورهم ، كريم على أهل السماء ، لأنه تنزيل ربهم ووحيه . وقيل : ( كريم ) أي غير مخلوق . وقيل : ( كريم ) لما فيه من كريم الأخلاق ومعاني الأمور . وقيل : لأنه يكرم حافظه ، ويعظم قارئه . الرابعة - قوله تعالى : ( في كتاب مكنون ) مصون عند الله تعالى . وقيل : مكنون محفوظ عن الباطل . والكتاب هنا كتاب في السماء ، قاله ابن عباس . وقال جابر بن زيد وابن عباس أيضا : هو اللوح المحفوظ . عكرمة : التوراة والإنجيل فيهما ذكر