القرطبي

218

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وينبت على اختياره لا على اختيارهم . وكذلك ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت فإن الزارع هو الله ) قال أبو هريرة : ألم تسمعوا قول الله تعالى : ( أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ) . والمستحب لكل من يلقي البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة ( أفرأيتم ما تحرثون ) الآية ، ثم يقول : بل الله الزارع والمنبت والمبلغ ، اللهم صلي على محمد ، وارزقنا ثمره ، وجنبنا ضرره ، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين ، ولآلائك من الذاكرين ، وبارك لنا فيه يا رب العالمين . ويقال : إن هذا القول أمان لذلك الزرع من جميع الآفات : الدود والجراد وغير ذلك ، سمعناه من ثقة وجرب فوجد كذلك . ومعنى ( أأنتم تزرعونه ) أي تجعلونه [ زرعا ( 1 ) ] . وقد يقال : فلان زراع كما يقال حراث ، أي يفعل ما يؤول إلى أن يكون زرعا يعجب الزراع . وقد يطلق لفظ الزرع على بذر الأرض وتكريبها تجوزا . قلت : فهو نهي إرشاد [ وأدب ( 2 ) ] لا نهي حظر وإيجاب ، ومنه قوله عليه السلام : ( لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي وليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي ) وقد مضى في ( يوسف ( 3 ) ) القول فيه . وقد بالغ بعض العلماء فقال : لا يقل حرثت فأصبت ، بل يقل : أعانني الله فحرثت ، وأعطاني بفضله ما أصبت . قال الماوردي : وتتضمن هذه الآية أمرين ، أحدهما - الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم . الثاني - البرهان الموجب للاعتبار ، لأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره ، وانتقاله إلى استواء حاله من العفن والتتريب حتى صار زرعا أخضر ، ثم جعله قويا مشتدا أضعاف ما كان عليه ، فهو بإعادة من أمات أخف عليه وأقدر ، وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السليمة . ثم قال ( لو نشاء لجعلناه حطاما ) أي متكسرا يعني الزرع . والحطام الهشيم الهالك الذي لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء ، فنبه بذلك أيضا على أمرين : أحدهما - ما أولاهم به من النعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاما ليشكروه . الثاني - ليعتبروا بذلك في أنفسهم ، كما أنه يجعل

--> ( 1 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) الزيادة : من ب ، ز ، ح ، س ، ل ، ه‍ . ( 3 ) راجع ج 9 ص 194