القرطبي
165
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يعنون الأرض وإن لم يجر لها ذكر . وقال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك أهل الأرض فنزلت : ( كل شئ هالك إلا وجهه ( 1 ) ) فأيقنت الملائكة بالهلاك ، وقاله مقاتل . ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت ، ومع الموت تستوي الاقدام . وقيل : وجه النعمة أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب . ( ويبقى وجه ربك ) أي ويبقى الله ، فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه ، قال الشاعر : قضى على خلقه المنايا * فكل شئ سواه فاني وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا : ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم . وقال ابن عباس : الوجه عبارة عنه كما قال : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ) وقال أبو المعالي : وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى ، وهو الذي ارتضاه شيخنا . ومن الدليل على ذلك قوله تعالى : ( ويبقى وجه ربك ) والموصف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى . وقد مضى في ( البقرة ( 2 ) ) القول في هذا عند قوله تعالى : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى مستوفى . قال القشيري : قال قوم هو صفة زائدة على الذات لا تكيف ، يحصل بها الاقبال على من أراد الرب تخصيصه بالاكرام . والصحيح أن يقال : وجهه وجوده وذاته ، يقال : هذا وجه الامر ووجه الصواب وعين الصواب . وقيل : أي يبقى الظاهر بأدلته كظهور الانسان بوجهه . وقيل : وتبقى الجهة التي يتقرب بها إلى الله . ( ذو الجلال ) الجلال عظمة الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح ، يقال : جل الشئ أي عظم وأجللته أي عظمته ، والجلال اسم من جل . ( والا كرام ) أي هو أهل لان يكرم عمالا يليق به من الشرك ، كما تقول : أنا أكرمك عن هذا ، ومنه إكرام الأنبياء والأولياء . وقد أتينا على هذين ، الاسمين لغة ومعنى في الكتاب الأسنى مستوفى . وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ألظوا بياذا الجلال والاكرام ) . وروي أنه من قول ابن مسعود ، ومعناه : الزموا ذلك في الدعاء . قال أبو عبيد :
--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 322 . ( 2 ) راجع ج 2 ص 83 .