القرطبي

122

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( أزفت الآزفة ) أي قربت الساعة ودنت القيامة . وسماها آزفة لقرب قيامها عنده ، كما قال : ( يرونه بعيدا ونراه قريبا ( 1 ) ) . وقيل : سماها آزفة لدنوها من الناس وقربها منهم ليستعدوا لها ، لان كل ما هو آت قريب . قال : أزف الترحل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد وفي الصحاح : أزف الترحل يأزف أزفا أي دنا وأفد ، ومنه قوله تعالى : ( أزفت الآزفة ) يعني القيامة ، وأزف الرجل أي عجل فهو آزف على فاعل ، والمتآزف القصير وهو المتداني . قال أبو زيد : قلت لاعرابي ما المحبنطئ ؟ قال : المتكأكئ . قلت : ما المتكأكئ ؟ قال : المتآزف . قلت : ما المتآزف ؟ قال : أنت أحمق وتركني ومر . ( ليس لها من دون الله كاشفة ) أي ليس لها من دون الله من يؤخرها أو يقدمها . وقيل : كاشفة أي انكشاف أي لا يكشف عنها ولا يبديها إلا الله ، فالكاشفة اسم بمعنى المصدر والهاء فيه كالهاء في العاقبة والعافية والداهية والباقية ، كقولهم : ما لفلان من باقية أي من بقاء . وقيل : أي لا أحد يرد ذلك ، أي إن القيامة إذا قامت لا يكشفها أحد من آلهتهم ولا ينجيهم غير الله تعالى . وقد سميت القيامة غاشية ، فإذا كانت غاشية كان ردها كشفا ، فالكاشفة علي هذا نعت مؤنث محذوف ، أي نقس كاشفة أو فرقة كاشفة أو حال كاشفة . وقيل : إن ( كاشفة ) بمعنى كاشف والهاء للمبالغة مثل راوية وداهية . قوله تعالى : ( أفمن هذا الحديث ) يعني القرآن . وهذا استفهام توبيخ ( تعجبون ) تكذيبا به ( وتضحكون ) استهزاء ( ولا تبكون ) انزجارا وخوفا من الوعيد . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ما روى بعد نزول هذه الآية ضاحكا إلا تبسما . وقال أبو هريرة : لما نزلت ( أفمن هذا الحديث تعجبون ) قال أهل الصفة : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) ثم بكوا حتى جرت دموعهم على خدودهم ، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بكاءهم بكى معهم فبكينا لبكائه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يلج النار من بكى من

--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 284 .