القرطبي

17

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بأوليائه حتى عرفوه ، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه . وقال محمد بن علي الكتاني : اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق توكل عليه ورجع إليه ، فحينئذ يقبله ويقبل عليه . وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى يطلع على القبور الدوارس فيقول جل وعز امحت آثارهم واضمحلت صورهم وبقي عليهم العذاب وأنا اللطيف وأنا أرحم الراحمين خففوا عنهم العذاب فيخفف عنهم العذاب ) . قال أبو علي الثقفي رضي الله عنه : أمر بأفناء القبور كأنني * أخو فطنة والثواب فيه نحيف ومن شق فاه الله قدر رزقه * وربي بمن يلجأ إليه لطيف وقيل : اللطيف الذي ينشر من عباده المناقب ويستر عليهم المثالب ، وعلى هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا من أظهر الجميل وستر القبيح ) . وقيل : هو الذي يقبل القليل ويبذل الجزيل . وقيل : هو الذي يجبر الكسير وييسر العسير . وقيل : هو الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله . وقيل : هو الذي يبذل لعبده النعمة فوق الهمة ويكلفه الطاعة فوق الطاقة ، قال تعالى : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ( 1 ) [ النحل : 18 ] " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " ( 2 ) [ لقمان : 20 ] ، وقال : " وما جعل عليكم في الدين من حرج " ( 3 ) [ الحج : 78 ] ، " يريد الله أن يخفف عنكم " ( 4 ) [ النساء : 28 ] . وقيل : هو الذي يعين على الخدمة ويكثر المدحة . وقيل : هو الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه . وقيل : هو الذي لا يرد سائله ولا يوئس آمله . وقيل : هو الذي يعفو عمن يهفو . وقيل : هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه . وقيل : هو الذي أوقد في أسرار العارفين من المشاهدة سراجا ، وجعل الصراط المستقيم لهم منهاجا ، وأجزل لهم من سحائب بره ماء ثجاجا . وقد مضى في " الانعام " قول أبي العالية والجنيد أيضا ( 5 ) . وقد ذكرنا جميع هذا في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) عند اسمه اللطيف ، والحمد لله . " يرزق من يشاء " ويحرم من يشاء . وفي تفضيل قوم بالمال حكمة ، ليحتاج

--> ( 1 ) آية 34 سورة إبراهيم . ( 2 ) آية 20 سورة لقمان . ( 3 ) آية 78 سورة الحج . ( 4 ) آية 28 سورة النساء . ( 5 ) راجع ج 7 ص 57 طبعة أولى أو ثانية .