القرطبي
10
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : " شرع لكم من الدين " أي الذي له مقاليد السماوات والأرض شرع لكم من الدين ما شرع لقوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، ثم بين ذلك بقوله تعالى : " أن أقيموا الدين " وهو توحيد الله وطاعته ، والايمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء ، وبسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما . ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها ، فإنها مختلفة متفاوتة ، قال الله تعالى : " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " [ المائدة : 48 ] وقد تقدم القول ( 1 ) فيه . ومعنى " شرع " أي نهج وأوضح وبين المسالك . وقد شرع لهم يشرع شرعا أي سن . والشارع : الطريق الأعظم . وقد شرع المنزل إذا كان على طريق نافذ . وشرعت الإبل إذا أمكنتها من الشريعة . وشرعت الأديم إذا سلخته . وقال يعقوب : إذا شققت ما بين الرجلين ، قال : وسمعته من أم الحمارس البكرية . وشرعت في هذا الامر شروعا أي خضت . " أن أقيموا الدين " " أن " في محل رفع ، على تقدير والذي وصى به نوحا أن أقيموا الدين ، ويوقف على هذا الوجه على " عيسى " . وقيل : هو نصب ، أي شرع لكم إقامة الدين . وقيل : هو جر بدلا من الهاء في " به " ، كأنه قال : به أقيموا الدين . ولا يوقف على " عيسى " على هذين الوجهين . ويجوز أن تكون " أن " مفسرة ، مثل أن امشوا ، فلا يكون لها محل من الاعراب . الثانية - قال القاضي أبو بكر بن العربي : ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة الكبير المشهور : ( ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحا فيقولون له أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض . . . ) وهذا صحيح لا إشكال فيه ، كما أن آدم أول نبي ( 2 ) بغير إشكال ، لان آدم لم يكن معه إلا نبوة ، ولم تفرض له الفرائض ولا شرعت له المحارم ، وإنما كان تنبيها على بعض
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 211 طبعة أولى أو ثانية . ( 2 ) في نسخ الأصل : " كما أن آدم أول رسول نبي بغير إشكال ، إلا أن آدم " والتصويب عن ابن العربي .