القرطبي
98
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقيل : خرج إلى حران فأقام بها مدة . ثم قيل : قال ذلك لمن فارقه من قومه ، فيكون ذلك توبيخا لهم . وقيل : قاله لمن هاجر معه من أهله ، فيكون ذلك منه ترغيبا . وقيل : قال هذا قبل إلقائه في النار . وفيه على هذا القول تأويلان : أحدهما : إني ذاهب إلى ما قضاه علي ربي . الثاني : إني ميت ، كما يقال لمن مات : قد ذهب إلى الله تعالى ، لأنه عليه السلام تصور أنه يموت بإلقائه في النار ، على المعهود من حالها في تلف ما يلقى فيها ، إلى أن قيل لها : " كوني بردا وسلاما " فحينئذ سلم إبراهيم منها . وفي قوله : " سيهدين " على هذا القول تأويلان : أحدهما " سيهدين " إلى الخلاص منها . الثاني - إلى الجنة . وقال سليمان ابن صرد وهو ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم : لما أرادوا إلقاء إبراهيم في النار جعلوا يجمعون له الحطب ، فجعلت المرأة العجوز تحمل على ظهرها وتقول : اذهب به إلى هذا الذي يذكر آلهتنا ، فلما ذهب به ليطرح في النار " قال إني ذاهب إلى ربي " . فلما طرح في النار قال : ( حسبي الله ونعم الوكيل ) فقال الله تعالى : " يا نار كوني بردا وسلاما " [ الأنبياء : 9 6 ] فقال أبو لوط وكان ابن عمه : إن النار لم تحرقه من أجل قرابته مني . فأرسل الله عنقا من النار فأحرقه . الثانية - قوله تعالى : " رب هب لي من الصالحين " لما عرفه الله أنه مخلصه دعا الله ليعضده بولد يأنس به في غربته . وقد مضى في [ آل عمران ] ( 1 ) القول في هذا . وفى الكلام حذف ، أي هب لي ولدا صالحا من الصالحين ، وحذف مثل هذا كثير . قال الله تعالى : " فبشرناه بغلام حليم " أي أنه يكون حليما في كبره فكأنه بشر ببقاء ذلك الولد ، لأن الصغير لا يوصف بذلك ، فكانت البشرى على ألسنة الملائكة كما تقدم في [ هود ] ( 2 ) . ويأتي أيضا في [ الذاريات ] ( 3 ) . قوله تعالى : فلما بلغ معه السعي قال يبنى إني أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن
--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 73 طبعة أولى أو ثانية . ( 2 ) راجع ج 9 ص 62 طبعة أولى أثانية . ( 3 ) في تفسير آية 28 من السورة المذكورة .