القرطبي

93

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ومدبرا ، وأنه يتغير كتغيرها . فقال : " إني سقيم " . قال الضحاك : معنى " سقيم " سأسقم سقم الموت ، لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت ، وهذا تورية وتعريض ، كما قال للملك لما سأل عن سارة هي أختي ، يعني أخوة ا لدين . وقال ابن عباس وأبن جبير والضحاك أيضا أشار لهم إلى مرض وسقم يعدي كالطاعون ، وكانوا يهربون من الطاعون ، " ف " لذلك " تولوا عنه مدبرين " أي فارين منه خوفا من العدوي . وروى الترمذي الحكيم قال : حدثنا أبي قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس ، وعن سمرة عن الهمداني عن ابن مسعود قال : قالوا لإبراهيم : إن لنا عيدا لو خرجت معنا لأعجبك ديننا . فلما كان يوم العيد خرجوا إليه وخرج معهم ، فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه ، وقال إني سقيم أشتكي رجلي ، فوطئوا رجله وهو صريع ، فلما مضوا نادى في آخرهم " وتالله لأكيدن أصنامكم " [ الأنبياء : 57 ] . قال أبو عبد الله وهذا ليس بمعارض لما قال ابن عباس وابن جبير ، لأنه يحتمل أن يكون قد اجتمع له أمران . قلت : وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كذبات " الحديث . وقد مضى في سورة " الأنبياء " ( 1 ) وهو يدل على أنه لم يكن سقيما وإنما عرض لهم . وقد قال جل وعز : " إنك ميت وإنهم ميتون " [ الزمر : 30 ] . فالمعنى إني سقيم فيما أستقبل فتوهموا هم أنه سقيم الساعة . وهذا من معاريض الكلام على ما ذكرنا ، ومنه المثل السائر ( 2 ) " كفى بالسلامة داء " وقول لبيد : فدعوت ربي بالسلامة جاهدا * ليصحني فإذا السلامة داء وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس فقالوا : مات وهو صحيح ! فقال أعرابي : أصحيح من الموت في عنقه ! فإبراهيم صادق ، لكن لما كان الأنبياء لقرب محلهم واصطفائهم عد هذا ذنبا ، ولهذا قال : " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " [ الشعراء : 82 ] وقد مضى هذا كله مبينا والحمد ( 3 ) لله . وقيل : أراد سقيم النفس لكفرهم . والنجوم يكون جمع نجم ويكون واحدا مصدرا .

--> ( 1 ) راجع ج 11 ص وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه . ( 2 ) رواء الديلمي في مسند الفردوس حديثا عن ابن عباس بإسناد ضعيف . ( 3 ) راجع ج 11 ص 300 وج 13 طبعة أولى أو ثانيه .