القرطبي

79

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي ، من أنزف القوم إذا حان منهم النزف وهو السكر ، يقال : أحصد الزرع إذا حان حصاده ، وأقطف الكرم إذا حان قطافه ، وأركب المهر إذا حان ركوبه . وقيل : المعنى لا ينفدون شرابهم ، لأنه دأبهم ، يقال : أنزف الرجل فهو منزوف إذا فنيت خمره . قال الحطيئة ( 1 ) : لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم * لبئس الندامى كنتم آل أبجرا النحاس : والقراءة الأولى أبين وأصح في المعنى ، لأن معنى " ينزفون " عند جلة أهل التفسير منهم مجاهد لا تذهب عقولهم ، فنفى الله عز وجل عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع والسكر . ومعنى " ينزفون " الصحيح فيه أنه يقال : أنزف الرجل إذا نفد شرابه ، وهو يبعد أن يوصف به شراب الجنة ، ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفد أبدا . وقيل : " لا ينزفون " بكسر الزاي لا يسكرون ، ذكره الزجاج وأبو علي على ما ذكره القشيري . المهدوي : ولا يكون معناه يسكرون ، لأن قبله " لا فيها غول " . أي لا تغتال عقولهم فيكون تكرارا ، ويسوغ ذلك في " الواقعة " . ويجوز أن يكون معنى " لا فيها غول " لا يمرضون ، فيكون معنى " ولا هم عنها ينزفون " لا يسكرون أو لا ينفد شرابهم . قال قتادة الغول وجع البطن . وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد " لا فيها غول " قال لا فيها وجع بطن . الحسن : صداع . وهو قول ابن عباس : " لا فيها غول " لا فيها صداع . وحكى الضحاك عنه أنه قال : في الخمر أربع خصال : السكر والصداع والقئ والبول ، فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال . مجاهد : داء . ابن كيسان : مغص . وهذه الأقوال متقاربة . وقال الكلبي : " لا فيها غول " أي إثم ، نظيره : " لا لغو فيها ولا تأثيم " [ الطور : 23 ] . وقال الشعبي والسدي وأبو عبيدة : لا تغتال عقولهم فتذهب بها . ومنه قول الشاعر : وما زالت الكأس تغتالنا * تذهب بالأول الأول

--> ( 1 ) نسبه الجوهري إلى الأبيردي . وأبجر هو أبجر بن جابر العجلي وكان نصرانيا .