القرطبي
6
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة ، كقوله تعالى : " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم . صراط الله " أي الصراط الذي أمر الله به . قوله تعالى : " تنزيل العزيز الرحيم " قرأ ابن عامر وحفص والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف : " تنزيل " بنصب اللام على المصدر ، أي نزل الله ذلك تنزيلا . وأضاف المصدر فصار معرفة كقوله : " فضرب الرقاب " [ محمد : 4 ] أي فضربا للرقاب . الباقون " تنزيل " بالرفع على خبر ابتداء محذوف أي هو تنزيل ، أو الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم . هذا وقرئ : " تنزيل " بالجر على البدل من " القرآن " والتنزيل يرجع إلى القرآن . وقيل : إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أي إنك لمن المرسلين ، وإنك " تنزيل العزيز الرحيم " . فالتنزيل على هذا بمعنى الإرسال ، قال الله تعالى : " قد أنزل الله إليكم ذكرا . رسولا يتلوا " [ الطلاق : 10 - 11 ] ويقال : أرسل الله المطر وأنزله بمعنى . ومحمد صلى الله عليه وسلم رحمة الله أنزلها من السماء . ومن نصب قال : إنك لمن المرسلين إرسالا من العزيز الرحيم . و " العزيز " المنتقم ممن خالفه " الرحيم " بأهل طاعته . قوله تعالى : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غفلون ( 6 ) لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ( 7 ) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ( 8 ) قوله تعالى : " لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم " " ما " لا موضع لها من الإعراب عند أكثر أهل التفسير منهم قتادة ، لأنها نفي والمعنى : لتنذر قوما ما أتى آباءهم قبلك نذير . وقيل : هي بمعنى الذي فالمعنى : لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم ، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة أيضا . وقيل : إن " ما " والفعل مصدر ، أي لتنذر قوما إنذار آبائهم . ثم يجوز أن تكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء ، فالمعنى لم ينذروا برسول من أنفسهم . ويجوز أن يكون بلغهم الخبر ولكن غفلوا وأعرضوا ونسوا . ويجوز أن يكون هذا خطابا لقوم لم يبلغهم خبر نبي ، وقد قال الله : " وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير "