القرطبي

62

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

تعالى : " أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات " [ الملك : 19 ] . والصف ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة . والصافات " جمع الجمع ، يقال : جماعة صافة ثم يجمع صافات . وقيل : الصافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفا في الصلاة أو في الجهاد ، ذكره القشيري . " فالزاجرات " الملائكة في قول ابن عباس وابن مسعود ومسروق وغيرهم على ما ذكرناه . إما لأنها تزجر السحاب وتسوقه في قول السدي . وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح . وقال قتادة : هي زواجر القرآن . " فالتاليات ذكرا " الملائكة تقرأ كتاب الله تعالى ، قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير والسدي . وقيل : المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع ، لأنه كبير الملائكة فلا يخلو من جنود وأتباع . وقال قتادة : المراد كل من تلا ذكر الله تعالى وكتبه . وقيل : هي آيات القرآن وصفها بالتلاوة كما قال تعالى : " إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل " [ النمل : 76 ] . ويجوز أن يقال لآيات القرآن تاليات ، لأن بعض الحروف يتبع بعضا ، ذكره القشيري . وذكر الماوردي : أن المراد بالتاليات الأنبياء يتلون الذكر على أممهم . فإن قيل : ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات ؟ قيل له : إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود ، كقوله : يا لهف زيابة ( 1 ) للحارث * الصابح فالغانم فالآيب كأنه قال : الذي صبح فغنم فآب . وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك : خذ الأفضل فالأكمل ، واعمل الأحسن فالأجمل . وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله : رحم الله المحلقين فالمقصرين . فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر ألفا ء العاطفة في الصفات ، قاله الزمخشري . " إن إلهكم لواحد " جواب القسم . قال مقاتل : وذلك أن الكفار بمكة قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا ، وكيف يسع هذا الخلق فر د إله ! فأقسم الله بهؤلاء تشريفا .

--> ( 1 ) هو سلبة بن ذهل ويعرف بابي زيابة وزيابة أبوه ، وقيل اسم أمه . يقول يا لهف أبى على الحرث إذا صبح قومي بالغارة فغنم وآب سالما ألا أكون لقيته فقتلته . ويريد يا لهف نفسي . والحرث هو الحرث بن همام الشيباني كما في شرح أشعار الحماسة . وبعد هذا البيت : والله لو لاقيته خاليا * لآب سيقانا مع الغالب