القرطبي
341
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الزمخشري : فإن قلت لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة ؟ قلت : لأن أحب شئ إلى الإنسان ماله ، وهو شقيق روحه ، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته [ واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته ] ( 1 ) ألا ترى إلى قوله عز وجل : " ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم " [ البقرة : 265 ] أي يثبتون أنفسهم ، ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال ، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة ( 2 ) من الدنيا ، فقويت عصبتهم ولانت شكيمتهم ، وأهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة ، فنصبت لهم الحروب وجوهدوا . وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة ، وتخويف شديد من منعها ، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين ، وقرن بالكفر بالآخرة . قوله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون " قال ابن عباس : غير مقطوع ، مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته ، ومنه قول ذي الإصبع : إني لعمرك ما بابي بذي غلق * على الصديق ولا خيري بممنون ( 3 ) وقال آخر : فترى خلفها من الرجع والوقع * منينا كأنه أهباء يعني بالمنين الغبار المنقطع الضعيف . وعن ابن عباس أيضا ومقاتل : غير منقوص . ومنه المنون ، لأنها تنقص منه الإنسان أي قوته ، وقال قطرب ، وأنشد قول زهير : فضل الجياد على الخيل البطاء فلا * يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا ( 4 ) قال الجوهري : والمن القطع ، ويقال النقص ، ومنه قوله تعالى : " لهم أجر غير ممنون " . وقال لبيد : غبس كواسب لا يمن طعامها ( 5 )
--> ( 1 ) الزيادة من تفسير الزمخشري . ( 2 ) اللمظة في اللغة : النكتة من بياض أو سواد ، والمراد بها هنا الشئ اليسير من حطام الدنيا . ( 3 ) ويروى : ولا زادي بممنون . ( 4 ) البيت من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان . ( 5 ) صدر البيت : * لمعفر قهد تنازع شلوه * وقد وقع هذا البيت غلطا في بعض نسخ الجوهري فراجع تحقيقه في اللسان مادة " من . "