القرطبي
336
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
به إليك . وعلى هذا " ما " للجحد أي فلم يغن عنهم ذلك شيئا . وقيل : " ما " للاستفهام أي أي شئ أغنى عنهم كسبهم حين هلكوا ولم ينصرف " وزن أفعل . وزعم الكوفيون أن كل ما لا ينصرف فإنه يجوز أن ينصرف إلا أفعل من كذا فإنه لا يجوز صرفه بوجه في شعر ولا غيره إذا كانت معه من . قال أبو العباس : ولو كانت من المانعة من صرفه لوجب ألا يقال : مررت بخير منك وشر [ منك و ] ( 1 ) من عمرو . قوله تعالى : " فلما جائتهم رسلهم بالبينات " أي بالآيات الواضحات . " فرحوا بما عندهم من العلم " في معناه ثلاثة أقوال . قال مجاهد : إن الكفار الذين فرحوا بما عندهم من العلم قالوا : نحن أعلم منهم لن نعذب ولن نبعث . وقيل : فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا نحو " يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا " [ الروم : 7 ] . وقيل : الذين فرحوا الرسل لما كذبهم قومهم أعلمهم الله عز وجل أنه مهلك الكافرين ومنجيهم والمؤمنين ف " فرحوا بما عندهم من العلم " بنجاة المؤمنين " وحاق بهم " أي بالكفار " ما كانوا به يستهزؤن " أي عقاب استهزائهم بما جاء به الرسل صلوات الله عليهم . قوله تعالى : " فلما رأوا بأسنا " أي عاينوا العذاب . " قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين " أي بالأوثان التي أشركناهم في العبادة " فلم يك ينفعهم ايمانهم " بالله عند معاينة العذاب وحين رأوا البأس . " سنة الله " مصدر ، لأن العرب تقول : سن يسن سنا وسنة ، أي سن الله عز وجل في الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب . وقد مضى هذا مبينا في " النساء " ( 2 ) و " يونس " ( 3 ) وأن التوبة لا تقبل بعد رؤية العذاب وحصول العلم الضروري . وقيل : أي احذروا يا أهل مكة سنة الله في إهلاك الكفرة ف " سنة الله " منصوب على التحذير والإغراء . " وخسر هنالك الكافرون " قال الزجاج : وقد كانوا خاسرين من قبل ذلك إلا أنه بين لنا الخسران لما رأوا العذاب . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، أي " لم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " " وخسر هنالك الكافرون " كسنتنا في جميع الكافرين ف " سنة " نصب بنزع الخافض أي كسنة الله في الأمم كلها . والله أعلم . ثم تفسير سورة " غافر " والحمد لله .
--> ( 1 ) الزيادة من اعراب القرآن للنحاس . ( 2 ) راجع ج 5 ص 92 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه . ( 3 ) راجع ج 8 ص 384 طبعة أولى أو ثانيه .