القرطبي

333

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يسجرون " أي يطرحون فيها فيكونون وقودا لها ، قال مجاهد . يقال : سجرت التنور أي أوقدته ، وسجرته ملأته ، ومنه " والبحر المسجور " [ الطور : 6 ] أي المملوء . فالمعنى على هذا تملأ بهم النار وقال الشاعر يصف وعلا : إذا شاء طالع مسجورة * ترى حولها النبع والسمسما أي عينا مملوءة . " ثم قيل لهم أينما كنتم تشركون من دون الله " وهذا تقريع وتوبيخ . " قالوا ضلوا عنا " أي هلكوا وذهبوا عنا وتركونا في العذاب ، من ضل الماء في اللبن أي خفي . وقيل : أي صاروا بحيث لا نجدهم . " بل لم نكن ندعو من قبل شيئا " أي شيئا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع . وليس هذا إنكارا لعبادة الأصنام ، بل هو اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة ، قال الله تعلى : " كذلك يضل الله الكافرين " أي كما فعل بهؤلاء من الإضلال يفعل بكل كافر . قوله تعالى : " ذلكم " أي ذلكم العذاب " بما كنتم تفرحون " بالمعاصي يقال لهم ذلك توبيخا . أي إنما نالكم هذا بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأتباع والصحة . وقيل إن فرحهم بها عندهم أنهم قالوا للرسل : نحن نعلم أنا لا نبعث ولا نعذب . وكذا قال مجاهد في قوله جل وعز : " فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم " [ غافر : 83 ] . " وبما كنتم تمرحون " قال مجاهد وغيره : أي تبطرون وتأشرون . وقد مضى في " سبحان " ( 1 ) بيانه . وقال الضحاك : الفرح السرور ، والمرح العدوان . وروى خالد عن ثور عن معاذ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لحمين ويبغض كل حبر سمين " ( 2 ) فأما أهل بيت لحمين : فالذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة . وأما الحبر السمين : فالمتحبر بعلمه ولا يخبر بعلمه الناس ، يعني المستكثر من علمه ولا ينتفع به الناس . ذكره الماوردي . وقد قيل في

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 260 طبعة أولى أو ثانيه . ( 2 ) الحديث في النهاية " إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين " .