القرطبي
272
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
طاعة الله حتى سخر من أهلها ، ومحل " إن كنت " النصب على الحال ، كأنه قال : فرطت وأنا ساخر ، أي فرطت في حال سخريتي ، وقيل وما كنت إلا في سخرية ولعب وباطل أي ما كان سعيي إلا في عبادة غير الله تعالى . قوله تعالى : ( أو تقول ) هذه النفس ( لو أن الله هداني ) أي أرشدني إلى دينه ( لكنت من المتقين ) أي الشرك والمعاصي ، وهذا القول لو أن الله هداني لاهتديت قول صدق ، وهو قريب من احتجاج المشركين فيما أخبر الرب جل وعز عنهم في قوله : " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركا " فهي كلمة حق أريد بها باطل ، كما قال علي رضي الله عنه لما قال قائل من الخوارج لا حكم إلا لله ، ( أو تقول ) يعنى هذه النفس ( حين ترى العذاب لو أن لي كرة ) أي رجعة ، ( فأكون ) نصب على جواب التمني ، وإن شئت كان معطوفا على " كرة " لان معناه أن أك ر ، كما قال الشاعر ( 1 ) : للبس عباءة وتقر عيني * أحب إلى من لبس الشفوف وأنشد الفراء : فمالك منها غير ذكرى وخشية * وتسأل عن ركبانها أين يمموا فنصب و ( تسأل ) على موضع الذكرى ، لان معنى الكلام فمالك منها إلا أن تذكر ، ومنه للبس عباءة وتقر ، أي لان ألبس عباءة وتقر ، وقال أبو صالح : كان رجل عالم في بني إسرائيل وجد رقعة ، إن العبد ليعمل الزمان الطويل بطاعة الله فيختم له عمله بعمل أهل النار فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بمعصية الله ثم يختم له عمله بعمل رجل من أهل الجنة فيدخل الجنة ، فقال : ولأي شئ أتعب نفسي فترك عمله وأخذ في الفسوق والمعصية ، وقال له إبليس : لك عمر طويل فتمتع في الدنيا ثم تتوب ، فأخذ في الفسوق وأنفق ماله في الفجور ، فأتاه ملك الموت في ألذ ما كان ، فقال : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ، ذهب عمري في طاعة الشيطان ، فندم حين لا ينفعه الندم ، فأنزل الله خبره في القرآن ، وقال .
--> ( 1 ) قائله ميسون بنت مجدل الكلبية