القرطبي

256

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : " فمن أظلم " أي لا أحد أظلم " ممن كذب على الله " فزعم أن له ولدا وشريكا " وكذب بالصدق " يعني القرآن " أليس في جهنم " لاستفهام تقرير " مثوى للكافرين " أي مقام للجاحدين ، وهو مشتق من ثوى بالمكان إذ أقام به يثوي ثواء وثويا مثل مضى مضاء ومضيا ، ولو كان من أثوى لكان مثوى . وهذا يدل على أن ثوى هي اللغة الفصيحة . وحكى أبو عبيد أثوى ، وأنشد قول الأعشى : أثوى وقصر ليلة ليزودا * ومضى وأخلف من قتيلة موعدا والأصمعي لا يعرف إلا ثوى ، ويروى البيت أثوى على الاستفهام . وأثويت غيري يتعدى ولا يتعدى . قوله تعالى : والذي جاء بالصدق " في موضع رفع بالابتداء وخبره " أولئك هم المتقون " واختلف في الذي جاء بالصدق وصدق به ، فقال علي رضي الله عنه : " الذي جاء بالصدق " النبي صلى الله عليه وسلم " وصدق به " أبو بكر رضي الله عنه . وقال مجاهد : النبي عليه السلام وعلي رضي الله عنه . السدي : الذي جاء بالصدق جبريل والذي صدق به محمد صلى الله عليه وسلم . وقال ابن زيد ومقاتل وقتادة : " الذي جاء بالصدق " النبي صلى الله عليه وسلم : " وصدق به " المؤمنون . واستدلوا على ذلك بقوله : " أولئك هم المتقون " كما قال : " هدى للمتقين " [ البقرة : 2 ] . وقال النخعي ومجاهد : " الذي جاء بالصدق وصدق به " المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة فيقولون : هذا الذي أعطيتمونا قد اتبعنا ما فيه ، فيكون " الذي " على هذا بمعنى جمع كما تكون من بمعنى جمع . وقيل : بل حذفت منه النون لطول الاسم ، وتأول الشعبي على أنه واحد . وقال : " الذي جاء بالصدق " محمد صلى الله عليه وسلم فيكون على هذا خبره جماعة ، كما يقال لمن يعظم هو فعلوا ، وزيد فعلوا كذا وكذا . وقيل : إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله عز وجل ، قاله ابن عباس وغيره ، واختاره الطبري . وفي قراءة ابن مسعود " والذي جاءوا بالصدق وصدقوا به " وهي قراءة على التفسير . وفي قراءة أبي صالح الكوفي " والذي جاء بالصدق وصدق به " مخففا على معنى وصدق بمجيئه