القرطبي

200

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقال مجاهد : أخذه الشيطان من يد سليمان ، لأن سليمان سأل الشيطان وكان اسمه آصف : كيف تضلون الناس ؟ فقال له الشيطان : أعطني خاتمك حتى أخبرك . فأعطاه خاتمه ، فلما أخذ الشيطان الخاتم جلس على كرسي سليمان ، متشبها بصورته ، داخلا على نسائه ، يقضي بغير الحق ، ويأمر بغير الصواب ( 1 ) . واختلف في إصابته لنساء سليمان ، فحكي عن ابن عباس ووهب بن منبه : أنه كان يأتيهن في حيضهن . وقال مجاهد : منع من إتيانهن وزال عن سليمان ملكه فخرج هاربا إلى ساحل البحر يتضيف الناس ، ويحمل سموك الصيادين بالأجر ، وإذا أخبر الناس أنه سليمان أكذبوه . قال قتادة : ثم إن سليمان بعد أن استنكر بنو إسرائيل حكم الشيطان أخذ حوته من صياد . قيل : إنه استطعمها . وقال ابن عباس : أخذها أجرة في حمل حوت . وقيل : إن سليمان صادها فلما شق بطنها وجد خاتمه فيها ، وذلك بعد أربعين يوما من زوال ملكه ، وهي عدد الأيام التي عبد " فيها " الصنم في داره ، وإنما وجد الخاتم في بطن الحوت ، لأن الشيطان الذي أخذه ألقاه في البحر . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : بينما سليمان على شاطئ البحر وهو يعبث بخاتمه ، إذ سقط منه في البحر وكان ملكه في خاتمه . وقال جابر بن عبد الله : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كان نقش خاتم سليمان بن داود لا إله إلا الله محمد رسول الله . " وحكى يحيى بن أبي عمرو الشيباني أن سليمان وجد خاتمه بعسقلان ، فمشى منها إلى بيت المقدس تواضعا لله تعالى . قال أبن عباس وغيره : ثم إن

--> ( 1 ) هذه الأقوال لا تصح قطعا لمنا فاتها للعصمة التي هي من أخص صفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ولو صح شئ منها لكان الوحي محل الشك والارتياب ، وقد قال أبو حيان في تفسيره : نقل المفسرون في هذه الفتنة وإلقاء الجسد أقوالا يجب براءة الأنبياء منها ، يوقف عليها في كتبهم ، وهي مما لا يحل نقلها ، وهي إما من أوضاع اليهود أو الزنادقة ، ولم يبين الله الفتنة ما هي ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان . إلى أن قال : لم يكن ليذكر من يتأسى به ممن نسب المفسرون إليه ما يعظم أن يتفوه به ، ويستحيل عقلا وجود بعض ما ذكروه ، كتمثل الشيطان بصورة نبي ، حتى يلتبس أمره عند الناس ، ويعتقدوا أن ذلك المتصور هو النبي . ولو أمكن وجود هذا لم يوثق بإرسال نبي ، وإنما هذه مقالة مسترقة من زنادقة السوفسطائية نسأل الله سلامة أذهاننا وعقولنا منها . وقال الآلوسي : ومن أقبح ما فيها زعم تسلط الشيطان على نساء نبيه حتى وطئهن وهن حيض . الله أكبر ! ! هذا بهتان عظيم ، وخطب جسيم . وسيأتي للمؤلف تضعيف هذا القول أيضا .