القرطبي
166
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الفراء : أن إحداهما بمعنى لما . وقول آخر أن تكون الثانية مع ما بعدها تبيينا لما قبلها . قيل : إنهما كانا إنسيين ، قاله النقاش . وقيل : ملكين ، قال جماعة . وعينهما جماعة فقالوا : إنهما جبريل وميكائيل . وقيل : ملكين في صورة إنسيين بعثهما الله إليه في يوم عبادته . فمنعهما الحرس الدخول ، فتسوروا المحراب عليه ، فما شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يديه جالسين ، وهو قوله تعالى : " وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب " أي علوا ونزلوا عليه من فوق المحراب ، قال سفيان الثوري وغيره . وسبب ذلك ما حكاه ابن عباس أن داود عليه السلام حدث نفسه إن ابتلي أن يعتصم . فقيل له : انك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلى فيه فخذ حذرك . فأخذ الزبور ودخل المحراب ومنع من الدخول عليه ، فبينا هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر كأحسن ما يكون من الطير ، فجعل يدرج بين يديه . فهم أن يتناوله بيده ، فاستدرج حتى وقع في كوة المحراب ، فدنا منه ليأخذه فطار ، فاطلع ليبصره فأشرف على امرأة تغتسل ، فلما رأته غطت جسدها بشعرها . قال السدي : فوقعت في قلبه . قال ابن عباس : وكان زوجها غازيا في سبيل الله وهو أوريا بن حنان ، فكتب داود إلى أمير الغزاة أن يجعل زوجها في حملة التابوت ، وكان حملة التابوت إما أن يفتح الله عليهم أو يقتلوا ، فقدمه فيهم فقتل ، فلما انقضت عدتها خطبها داود ، واشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة بعده ، وكتبت عليه بذلك كتابا ، وأشهدت عليه خمسين رجلا من بني إسرائيل ، فلم تستقر نفسه حتى ولدت سليمان وشب ، وتسور الملكان وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه . ذكره الماوردي وغيره . ولا يصح . قال ابن لعربي : وهو أمثل ما روي في ذلك ( 1 ) .
--> ( 1 ) ما أورده القرطبي هنا في حق داود عليه الصلاة والسلام من قبيل الإسرائيليات ولا صحة لها ، وهو هراء وافتراء كما قال البيضاوي ، ومما يقدح في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ولقد أحسن أبو حيان وأجاد حيث يقول : ويعلم قطعا أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الخطايا لا يمكن وقوعهم في شئ منها ، ضرورة أنا لو جوزنا عليهم شيئا من ذلك بطلت الشرائع ، ولم نثق بشئ مما يذكرون أنه أوحى الله به إليهم ، فما حكى الله تعالى في كتابه يمر على ما أراده تعالى ، وما حكى القصاص مما فيه غض من منصب النبوة طرحناه ، ونحن كما قال الشاعر : ونؤثر حكم العقل في كل شبهة * إذا آثر الأخبار جلاس قصاص والرقاشي مطروح الرواية هند التحقيق . وسيأتي للمؤلف أن ينقل عن النحاس في صفحة 175 ما يؤيد ما أوردناه .