القرطبي

159

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ذنبه أو خطر على باله أستغفر منه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة " . ويقال آب يؤوب إذا رجع ، كما قال ( 1 ) : وكل ذي غيبة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب فكان داود رجاعا إلى طاعة الله ورضاه في كل أمر فهو أهل لأن يقتدى به . قوله تعالى : إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق فيه أربع مسائل الأولى - قوله تعالى : " إنا سخرنا الجبال معه يسبحن " " يسبحن " في موضع نصب على الحال . ذكر تعالى ما آتاه من البرهان والمعجزة وهو تسبيح الجبال معه . قال مقاتل : كان داود إذا ذكر الله جل وعز ذكرت الجبال معه ، وكان يفقه تسبيح الجبال . وقال ابن عباس : " يسبحن " يصلين . وإنما يكون هذا معجزة إذا رآه الناس وعرفوه . وقال محمد بن إسحاق : أوتي داود من حسن الصوت ما يكون له في الجبال دوي حسن ، وما تصغي لحسنه [ الطير ] ( 2 ) وتصوت معه ، فهذا تسبيح الجبال والطير . وقيل : سخرها الله عز وجل لتسير معه فذلك تسبيحها ، لأنها دالة على تنزيه الله عن شبه المخلوقين . وقد مضى القول في هذا في " سبأ " ( 3 ) وفي " سبحان " ( 4 ) عند قوله تعالى : " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " [ الإسراء : 44 ] وأن ذلك تسبيح مقال على الصحيح من الأقوال . والله أعلم . " بالعشي والإشراق " الإشراق أيضا ابيضاض الشمس بعد طلوعها . يقال : شرقت الشمس إذا طلعت ، وأشرقت إذا أضاءت . فكان داود يسبح إثر صلاته عند طلوع الشمس وعند غروبها . الثانية - روي عن ابن عباس أنه قال : كنت أمر بهذه الآية : " بالعشي والإشراق " ولا أدري ما هي ، حتى حدثتني أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها ،

--> ( 1 ) هو عبيد بن الأبرص . ( 2 ) زيادة يقتضيها المعنى . ( 3 ) راجع ج 14 ص 265 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه . ( 4 ) راجع ج 10 ص 268 طبعة أولى أو ثانيه .