القرطبي
127
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم " من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل " فيجتهد العبر ، ويحرص على خصله من صالح عمله ، يخلص فيها بينه وبين ربه ، ويدخرها ليوم فاقته وفقره ، ويخبؤها بجهده ، ويسترها عن خلقه ، يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه . وقد خرج البخاري وسلم من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " بينما ثلاثة نفر - في رواية ممن كان قبلكم - يتماشون أخذهم المطر فآووا إلى غار في جبل فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها صالحه لله بها لعله يفرجها عنكم " الحديث بكماله وهو مشهور ، شهرته أغنت عن تمامه . وقال سعيد بن جبير : لما قال في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " قذفه الحوت . وقيل : " من المسبحين " من المصلين في بطن الحوت . قلت : والأظهر أنه تسبيح اللسان الموافق للجنان ، وعليه يدل حديث أبي هريرة المذكور قبل الذي ذكره الطبري . قال : فسبح في بطن الحوت . قال : فسمعت الملائكة تسبيحه ، فقالوا : يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبه . وتكون " كان " على هذا القول زائدة . أي فلولا أنه من المسبحين . وفي كتاب أبى داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " دعاه ذي النون في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " لم يدع به رجل مسلم في شئ قط الا استجب له " وقد مضى هذا في سورة " الأنبياء " ( 1 ) فيونس عليه السلام كان قبل مصليا مسبحا ، وفى بطن الحوت كذلك . وفي الخبر : فنودي الحوت ، انا لم نجعل يونس لك رزقا ، إنما جعلناك له حرزا ومسجدا . وقد تقدم . قوله تعالى : فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فامنوا فمتهم إلى حين
--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 329 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه .