القرطبي
7
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
" من قبل ومن بعد " أي من قبل هذه الغلبة ومن بعدها . وقيل : من قبل كل شئ ومن بعد كل شئ . و " من قبل ومن بعد " ظرفان بنيا على الضم ، لأنهما تعرفا بحذف ما أضيفا إليهما وصارا متضمنين ما حذف فخالفا تعريف الأسماء وأشبها الحروف في التضمين فبنيا ، وخصا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نكر وأضيف زال بناؤه ، وكذلك هما فضما . ويقال : " من قبل ومن بعد " . وحكى الكسائي عن بعض بني أسد " لله الامر من قبل ومن بعد " الأول مخفوض منون ، والثاني مضموم بلا تنوين . وحكى الفراء " من قبل ومن بعد " مخفوضين بغير تنوين . وأنكره النحاس ورده . وقال الفراء في كتابه : في القرآن أشياء كثيرة ، الغلط فيها بين ، منها أنه زعم أنه يجوز " من قبل ومن بعد " وإنما يجوز " من قبل ومن بعد " على أنهما نكرتان . قال الزجاج : المعنى من متقدم ومن متأخر . ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ) تقدم ذكره . ( ينصر من يشاء ) يعني من أوليائه ، لان نصره مختص بغلبة أوليائه لأعدائه ، فأما غلبة أعدائه لأوليائه فليس بنصره ، وإنما هو ابتلاء وقد يسمى ظفرا . ( وهو العزيز ) في نقمته ( الرحيم ) لأهل طاعته . قوله تعالى : وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( 6 ) يعلمون ظاهر من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ( 7 ) قوله تعالى : ( وعد الله لا يخلف الله وعده ) لان كلامه صدق . ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) وهم الكفار وهم أكثر . وقيل : المراد مشركو مكة . وانتصب ( وعد الله ) على المصدر : أي وعد ذلك وعدا . ثم بين تعالى مقدار ما يعلمون فقال : " يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا " يعني أمر معايشهم ودنياهم : متى يزرعون ومتى يحصدون ، وكيف يغرسون وكيف يبنون ، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة . وقال الضحاك : هو بنيان قصورها ، وتشقيق أنهارها وغرس أشجارها ، والمعنى واحد . وقيل : هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا