القرطبي
9
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فتوضع على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من خلفه وهو يقول وا ثبوراه " . وانتصب على المصدر ، أي ثبرنا ثبورا ، قاله الزجاج . وقال غيره : هو مفعول به . قوله تعالى : ( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) فإن هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة . وقال : ثبورا لأنه مصدر يقع للقليل والكثير فلذلك لم يجمع ، وهو كقولك : ضربته ضربا كثيرا ، وقعد قعودا طويلا . ونزلت الآيات في ابن خطل وأصحابه . قوله تعالى : قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا ( 15 ) لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا ( 16 ) قوله تعالى : ( قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ) . إن قيل : كيف قال " أذلك خير " ولا خير في النار ، فالجواب أن سيبويه حكى عن العرب : الشقاء أحب إليك أم السعادة ، وقد علم أن السعادة أحب إليه . وقيل : ليس هو من باب أفعل منك ، وإنما هو كقولك : عنده خير . قال النحاس : وهذا قول حسن ، كما قال ( 1 ) : * فشركما لخير كما الفداء * قيل : إنما قال ذلك لان الجنة والنار قد دخلتا في باب المنازل ، فقال ذلك لتفاوت ما بين المنزلتين . وقيل : هو مردود على قوله : " تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك " الآية . وقيل : هو مردود على قوله : " أو يلقى إليه كنز له أو تكون له جنة يأكل منها " . وقيل : إنما قال ذلك على معنى علمكم واعتقادكم أيها الكفار ، وذلك أنهم لما كانوا يعملون عمل أهل النار صاروا كأنهم يقولون إن في النار خيرا . قوله تعالى : ( لهم ما يشاءون ) أي من النعيم . ( خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا ) قال الكلبي : وعد الله المؤمنين الجنة جزاء على أعمالهم فسألوه ذلك الوعد فقالوا : " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك " . وهو معنى قول ابن عباس . وقيل : إن الملائكة تسأل لهم
--> ( 1 ) هو حسان بن ثابت - رضي الله عنه - يمدح النبي صلى الله عليه وسلم ويهجو أبا سفيان ، وصدر البيت : * أتهجوه ولست له بكفء *