القرطبي

94

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقال الزجاج : " فلا ينازعنك في الامر " أي فلا يجادلنك ، ودل على هذا " وإن جادلوك " . ويقال : قد نازعوه فكيف قال فلا ينازعنك ، فالجواب أن المعنى فلا تنازعهم أنت . نزلت الآية قبل الامر بالقتال ، تقول : لا يضاربنك فلان فلا تضاربه أنت ، فيجرى هذا في باب المفاعلة . ولا يقال : لا يضربنك زيد وأنت تريد لا تضرب زيدا . وقرأ أبو مجلز : " فلا ينزعنك في الامر " أي لا يستخفنك ( 1 ) ولا يغلبنك عن دينك . وقراءة الجماعة من المنازعة . ولفظ النهى في القراءتين للكفار ، والمراد النبي صلى الله عليه وسلم . ( وادع إلا ربك ) أي إلى توحيده ودينه والايمان به . ( إنك لعلى هدى ) أي دين . ( مستقيم ) أي قويم لا اعوجاج فيه . قوله تعالى : وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون ( 68 ) الله يحكم بينكم يوم القيمة فيما كنتم فيه تختلفون ( 69 ) . قوله تعالى : ( وإن جادلوك ) أي خاصموك يا محمد ، يريد مشركي مكة . ( فقل الله أعلم بما تعملون ) يريد من تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم ، عن ابن عباس . وقال مقاتل : هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء وهو في السماء السابعة لما رأى من آيات ربه الكبرى ، فأوحى الله إليه : " وإن جادلوك " بالباطل فدافعهم بقولك : " الله أعلم بما تعملون " من الكفر والتكذيب ، فأمره الله تعالى بالاعراض عن مماراتهم صيانة له عن الاشتغال بتعنتهم ، ولا جواب لصاحب العناد . ( الله يحكم بينكم يوم القيامة ) يريد بين النبي صلى الله عليه وسلم وقومه . ( فيما كنتم فيه تختلفون ) يريد في خلافكم آياتي ، فتعرفون حينئذ الحق من الباطل . مسألة - في هذه الآية أدب حسن علمه الله عباده في الرد على من جادل تعنتا ومراء ألا يجاب ولا يناظر ويدفع بهذا القول الذي علمه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم . وقد قيل : إن هذه الآية منسوخة بالسيف ، يعنى السكوت عن مخالفه والاكتفاء بقوله : " الله يحكم بينكم " .

--> ( 1 ) كذا في أوب وج‍ وط وك وى .